اخر الأخبار
"لا مستشفيات لدينا.. بل محطات لإسعاف المرضى".. عبارة واحدة تفضح مأساة الصحة في المناطق الجبلية كأس إفريقيا تعود إلى نظام العامين.. "الكاف" يتراجع عن قرار الرباعية الحركة الأمازيغية تفتح النار على "الوعود المتعاقبة": الثروة لا تُوزع والمناطق لا تُنصف روسيا تلعب "ورقة الانتظار" في ملف الصحراء.. وموسكو تضع شرطاً واحداً لموقفها “أونسا” تعلن حرباً بيولوجية على أعداء النخيل.. من المختبر إلى مائدة المستهلك وزارة الصحة تطمئن: 30 حالة دفتيريا دون بؤر وبائية.. لكن "الثغرة" تبقى في التلقيح عائدون من سبتة إلى "المنفى الداخلي".. شباب يُبعدون إلى الرشيدية وبني ملال وأكادير وأسرهم تدفع الثمن الجمعة: أجواء متقلبة بين حرارة الجنوب ورعد الأطلس وضباب السواحل اتروكوت بإقليم الدريوش.. انقطاعات متكررة للكهرباء تُغضب الساكنة وتعيد مساءلة الشركة الجهوية متعددة الخدمات! حبس "طبيب الفقراء" سنة نافذة.. حين يصبح فضح المستشفى جريمة والدفاع عن المرضى تهمة

اخر الاخبار

الرئيسية | متابعات | "لا مستشفيات لدينا.. بل محطات لإسعاف المرضى".. عبارة واحدة تفضح مأساة الصحة في المناطق الجبلية

"لا مستشفيات لدينا.. بل محطات لإسعاف المرضى".. عبارة واحدة تفضح مأساة الصحة في المناطق الجبلية

 

في قاعة البرلمان، حيث تُناقش مليارات الميزانية وحسابات العجز، اختار نائب عن دائرة ميدلت أن يضع الإصبع على جرح لا يظهر في الأرقام. قال عبد العزيز (أسامة) باريك، خلال مناقشة مشروع قانون المالية 2027 بلجنة المالية والتنمية الاقتصادية، جملة واحدة كانت كافية لهدم كل الخطابات عن "تقريب الخدمات" و"العدالة المجالية": "لا مستشفيات لدينا، بل محطات لإسعاف المرضى". والمعنى واضح: المراكز الصحية في الجبال لم تعد تعالج، بل تُسعف وتُوجه، بينما يبحث المريض عن العلاج في مدينة أخرى، على بعد ساعات، وبتكاليف لا تنتهي.

لكن الصحة ليست الجرح الوحيد. فسكان هذه المناطق يدفعون الضرائب نفسها التي يدفعها ساكنة المدن، لكنهم يحصلون على خدمات أدنى، وطرق أسوأ، وبنيات تحتية غائبة. النائب لم يمر مرور الكرام على هذه المفارقة: كيف يُطالب مواطن في الجبل بأداء الضريبة نفسها بينما يعاني من غياب الطرق السيارة وتدهور المسالك التي تُتلف سيارته وتفرض عليه مصاريف إصلاح إضافية؟ العدالة الجبائية، في نظره، لا يمكن أن تُختزل في نسبة الضريبة، بل يجب أن تُقاس بجودة الخدمات التي تعود على المواطن مقابل ما يدفعه.

ثم جاءت الضربة التالية: الحطب. قبل أن يبدأ الشتاء، وصل ثمن قنطار الحطب إلى 200 درهم في المناطق الجبلية، وهو رقم لا يعني شيئاً لمن يتحدث عن البصل والطماطم في المدن، لكنه يعني كل شيء لأسرة تعيش على هامش الحياة وتنتظر البرد القارس. النائب حذر من أن المعاناة ستتفاقم مع انخفاض درجات الحرارة، متسائلاً: أين البعد المناخي في سياسات الحكومة؟ ولماذا يغيب هذا الجرح عن أولويات قانون المالية؟

ولم يتوقف باريك عند هذا الحد. فتح ملف الشباب الذين انخرطوا في نظام المقاول الذاتي استجابةً للتوجهات الحكومية، قبل أن يجدوا أنفسهم مطالبين بأداء مستحقات ضريبية واشتراكات في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي رغم أنهم لم يحققوا أي مداخيل فعلية. هؤلاء الشباب، كما قال، لم يستفيدوا من التغطية الصحية التي دفعوا مقابلها، بل أصبحوا مدينين لنظام كان يفترض أن يحميهم.

ثم انتقل إلى المشاريع الطرقية، حيث قدّم مثالاً صادماً: طريق بطول ثمانية كيلومترات، رُصد لها ثلاثة مليارات و500 مليون سنتيم، بينما لا تعكس الأشغال المنجزة حجم هذا المبلغ. السكان يشتكون، والمقاول يتعامل معهم "باستخفاف"، والمال العام يتبخر في مشاريع لا تُرى. النائب طالب بربط المسؤولية بالمحاسبة، لكن السؤال الأكبر يبقى معلقاً: كم من مشروع آخر في الجبال ابتلع الملايين ولم يُنجز؟

وفي ختام مداخلته، عاد إلى الفلاحين: التفاح يُباع بخمسة دراهم للكيلوغرام في مناطق الإنتاج، لكنه يصل إلى 15 أو 20 درهماً في الرباط والدار البيضاء. فارق سعري يكشف عن خلل في سلاسل التسويق، وغياب إرادة حقيقية لتمكين المنتجين من عائد منتوجاتهم.

بهذه المداخلة، لم يقدّم باريك أرقاماً جديدة، بل قدّم صورة كاملة عن مناطق تُدفع فيها الضرائب ولا تُعاد فيها الخدمات، ويُشترى فيها الحطب بثمن الذهب، ويُعالج فيها المريض بالتنقل لا بالدواء. والعبارة التي ختم بها كلامه ستبقى أصدق من كل التقارير: "لا مستشفيات لدينا.. بل محطات لإسعاف المرضى".