“أونسا” تعلن حرباً بيولوجية على أعداء النخيل.. من المختبر إلى مائدة المستهلك
في قلب الملتقى الدولي للتمر بأرفود، حيث تلتقي الأنظار على المنتوج النهائي، اختارت خديجة عريف، رئيسة قسم مراقبة المنتجات النباتية بالمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية “ONSSA”، أن تبدأ الحكاية من الجذور لا من علبة التمر. فما كشفه المكتب ليس مجرد إجراء رقابي عابر، بل استراتيجية متكاملة وغير مسبوقة لحماية الثروة النخيلية المغربية، تنزيلاً لاستراتيجية الجيل الأخضر 2020-2030، وتبدأ من الشجرة نفسها ومن المختبر قبل أن تصل إلى رفوف السوق.
الحكاية تبدأ من الأغراس. فالمكتب لا يعتمد إلا الشتلات المطابقة للصنف وفق المعايير الوطنية، لضمان الجودة والسلامة الصحية منذ البداية. وعند الاستيراد، تُخضع الأغراس لرقابة صارمة للتأكد من خلوها من الأمراض والآفات، فيما يجري على المستوى الوطني برنامج للمراقبة الميدانية للنخيل والواحات، بهدف الحفاظ على الثروة الوطنية من أي تهديد. وحين يصل المنتوج إلى مرحلة التوضيب والتخزين، تُرخَّص الوحدات صحياً، وتُراقب التمور كمنتوج نهائي عبر أخذ عينات من وحدات الإنتاج ونقط التوزيع والاستيراد، ثم إرسالها إلى المختبر للتأكد من مطابقتها لمعايير السلامة الغذائية.
لكن الحرب الحقيقية التي يخوضها “أونسا” هي ضد عدوين لا يرحمان: مرض البيوض، الملقب بـ”سرطان النخيل” القاتل الذي لا علاج له، وسوسة النخيل الحمراء التي اكتشفت أول مرة بالمغرب سنة 2008 بطنجة. ففي مواجهة البيوض، اختار المغرب سياسة “الأصفار” للحفاظ على واحاته السليمة، وفرض تدابير وصفها المكتب بالخط الأحمر في أربع واحات تشكل صمام أمان التمور الوطنية، هي فكيك وتافيلالت وواد درعة وجبل باني. وتشمل هذه التدابير التسجيل الإجباري لكل مزارع، وفرض سجل خاص بكل مزرعة، وإلزامية غرس الشتلات النسيجية المنتجة وفق النظام التقني فقط، مع ضرورة مرافقتها بجواز مرور يُحفظ لمدة سنتين على الأقل كأثر لتتبع المصدر. كما تُمنع الفسائل التقليدية داخل المناطق المحمية، ويُحظر نقل النخيل من مزرعة لأخرى، ويُمنع استعمال المعدات الفلاحية نفسها داخل وخارج المنطقة المحمية، مع تعقيم المعدات واعتماد الري الموضعي ومنع دخول الحيوانات وإدخال نخيل الكناري. وعند ظهور أي أعراض مشابهة، تتدخل مصالح “أونسا” فوراً بكل التدابير القانونية لمنع الانتشار، مع جولات ميدانية منتظمة ونشرات إنذارية للفلاحين.
أما الضمان الحقيقي للفلاح، فيأتي عبر سلسلة مراقبة طويلة تبدأ بتسجيل الأصناف في السجل الرسمي وتقييم جودتها، مروراً بالمراقبة الحقلية للتأكد من مطابقة الصنف الأم وخلوه من الأمراض، ثم المراقبة الصارمة داخل مختبرات الزراعة النسيجية لضبط نظام التتبع، وصولاً إلى المراقبة في المشتل، لتتوج كل هذه المراحل بمرحلة الاعتماد والعنونة التي تُعد شهادة ميلاد رسمية لكل غرسة.
وفي الجبهة الثانية، تعتمد الاستراتيجية الوطنية لمكافحة سوسة النخيل الحمراء على مقاربة مندمجة ترتكز على التطبيق الصارم للحجر الزراعي عبر منع دخول وخروج النخيل من المناطق المصابة، وإجبارية قطع وحرق الأشجار المصابة، وجولات صحية منتظمة للرصد المبكر، ووضع مصائد فيرمونية لتخفيض أعداد الحشرة في المناطق المصابة وأخرى للمراقبة في السليمة، مع معالجة كيماوية شهرية لجميع النخيل في البؤر المصابة، وإلزامية الحصول على ترخيص مسبق لنقل النخيل داخل التراب الوطني.
ولا تكتمل المنظومة إلا عند وصول المنتوج إلى المستهلك، حيث شدد “أونسا” على أن عرض التمور للبيع يجب أن يكون داخل حاويات لا تتجاوز خمسة كيلوغرامات، تحمل بطاقة تعريف واضحة تتضمن تسمية التمر متبوعة باسم الصنف كـ”المجهول” أو “بوسكري”، والفئة (ممتازة أو أولى أو ثانية)، وطريقة العرض وشروط الحفظ، واسم وعنوان المنتج أو المستورد ورقم الترخيص الصحي، وتاريخ الصلاحية مسبوقاً بعبارة “يستحسن استهلاكه قبل…”، والوزن الصافي ورقم الحصة.
بهذه الإجراءات، يؤكد المكتب أنه لا يتعامل مع شجرة النخيل كمحصول فلاحي عابر، بل كثروة وطنية استراتيجية ورأسمال بيئي وتاريخي يجب تحصينه من كل التهديدات البيولوجية، فالحفاظ على الواحات خالية من البيوض والسوسة ليس هدفاً زراعياً فحسب، بل ضمانة لاستمرارية واحات بأكملها وصون مصدر عيش آلاف الأسر، وأيضاً صمام أمان حقيقي للصحة النباتية والأمن الغذائي بالمملكة.