عائدون من سبتة إلى "المنفى الداخلي".. شباب يُبعدون إلى الرشيدية وبني ملال وأكادير وأسرهم تدفع الثمن
ليست العودة من سبتة المحتلة نهاية الحكاية، بل بداية معاناة أخرى. فشباب مغاربة عادوا من الثغر المحتل أو ضُبطوا خلال محاولات هجرة، وجدوا أنفسهم أمام قرار إداري يُبعدهم إلى مدن وأقاليم بعيدة عن مناطق سكناهم الأصلية، بينما تبقى أسرهم في الفنيدق والمضيق تنتظر، عاجزة عن تحمل كلفة الرحلة أو استيعاب منطق هذا الإبعاد.
هؤلاء الشباب يعيشون قلقاً مضاعفاً: قلق العودة، وقلق ما بعدها. فالإبعاد إلى الرشيدية أو بني ملال أو أكادير لا يُقاس بالكيلومترات فقط، بل بالكلفة المادية والنفسية التي يتحملها شاب بلا دخل، وأسرة تعاني أصلاً من تبعات إغلاق معبر باب سبتة وتراجع فرص الشغل وغلاء المعيشة.
ويطرح السؤال نفسه: بأي أساس قانوني يُنقل شاب إلى منطقة لا تربطه بها أي صلة، في وقت يفترض أن تُدار أوضاعه وفق مقاربة تراعي ظروفه الاجتماعية والأسرية؟ إن استمرار هذه الممارسات يخلق إشكالات إنسانية تتجاوز الحالة الفردية إلى النسيج الاجتماعي بأسره، خصوصاً أن عائلات هؤلاء الشباب تعيش أوضاعاً هشة لا تحتمل مصاريف تنقل إضافية أو انتظاراً بلا أفق.
لكن الجرح الأعمق يبقى في الأسباب: معالجة الهجرة لا يمكن أن تختزل في الترحيل والإيواء والإطعام، بينما تظل الأسباب الحقيقية — غياب فرص العمل، وانعدام التكوين المهني، وضحالة الاستثمار في عمالة المضيق-الفنيدق — دون حل. ومن هنا تتصاعد الدعوات إلى توجيه الاستثمارات نحو مشاريع صناعية وتنموية بالمنطقة، وإحداث مراكز للتكوين، وتوسيع فرص التشغيل أمام الشباب، حتى يصبح البقاء في الوطن خياراً ممكناً لا اضطراراً، وحتى تتوقف رحلة البحث عن فرصة عيش عن أن تنتهي بإبعاد جديد إلى مدينة لا يعرفها من كان يبحث فقط عن كرامته.