اخر الاخبار
الدفتيريا تعود من حيث لا يُنتظر.. أطباء يحذرون: الجرعات التذكيرية هي الحلقة المفقودة
بعد عقود من الهدوء الصحي، عاد مرض الدفتيريا (الخُناق) ليطرق أبواب المغرب من جديد، محمّلاً معه وفيات وحالات اشتباه، في تطور أعاد إلى الواجهة سؤال التلقيح ومدى اكتمال جرعاته التذكيرية. فبداية الأسبوع الجاري، سُجلت حالتا وفاة بمدينة سلا، لتلتحق بهما حالة طفل بالمستشفى الإقليمي للا مريم بالعرائش كان يرقد في الإنعاش، في مؤشر على أن المرض لم يعد حديث الذكريات.
والدفتيريا، كما يوضح الأطباء، مرض بكتيري ينتقل عبر الرذاذ التنفسي، وتبدأ أعراضه بحمى وألم في الحلق وتورم قد يتطور إلى ضيق حاد في التنفس. ويتقاطع المختصون عند سبب واحد: الجرعات التذكيرية. فتعثر بعض الأسر في استكمالها، خصوصاً بعد جائحة كورونا، خلق ثغرة سمحت للمرض بالعودة، وهو ما ينسجم مع موقف منظمة الصحة العالمية التي تعتبر التلقيح أنجع وسيلة وقائية، وتعزو تفشي المرض في بعض المناطق إلى تراجع التغطية رغم توفر اللقاح.
ويشرح مولاي سعيد عفيف، طبيب الأطفال وعضو اللجنة العلمية للتلقيح، أن المرض تسببه بكتيريا تستدعي العلاج بالمضادات الحيوية، وأن تزامنه مع نزلات البرد الموسمية يجعل تشخيصه الأولي ملتبساً، لأن أعراضه الأولى تشبه الزكام والتهاب الحلق. لكن الخطورة الحقيقية، حسبه، تكمن في مضاعفاته: أغشية سميكة خلف الحلق تعيق التنفس، وسموم تنتقل إلى أعضاء حيوية كالقلب والكليتين وقد تودي بحياة المصاب.
ويؤكد عفيف أن اللقاح هو الحل الوقائي الوحيد الناجع، مذكّراً بأن المغرب لم يسجل أي إصابة لأزيد من 30 سنة بفضل انخراط المواطنين في التطعيم. ويبدأ جدول التلقيح في الأشهر الثاني والثالث والرابع بعد الولادة، ثم جرعات تذكيرية في سن سنة ونصف وخمس سنوات، دون أن تتوقف الوقاية عند الخامسة؛ إذ تظل جرعتا العاشرة والخامسة عشرة محطتين حاسمتين. وبخصوص الحالات المسجلة مؤخراً، يوضح أن الضحايا إما لم يتلقوا التلقيح نهائياً أو لم يستكملوا جرعاتهم التذكيرية، خاصة في الفئة العمرية بين 10 و15 سنة، معرباً عن أسفه لفقدان أشخاص حياتهم بسبب التهاون في لقاح آمن وفعال ومتوفر، تبلغ فاعليته الوقائية نحو 100 في المائة ويُستعمل منذ أكثر من 40 عاماً. ويناشد الآباء مراجعة الدفاتر الصحية لأبنائهم، والتوجه الفوري إلى أقرب مركز صحي عند أي شك، محذراً من أن ترك الأطفال دون تحصين يرفع احتمالات انتقال العدوى إلى فئات عمرية أكبر.
من جهته، يرى الدكتور الطيب حمضي، الباحث في النظم والسياسات الصحية، أن الدفتيريا خطر لا يقف عند المصاب بل يهدد المجتمع بأسره، ما يجعل مواجهتها مسؤولية مشتركة بين الأسر ومؤسسات الدولة. فحماية الأطفال بالتلقيح واجب مباشر على الآباء، يقابله التزام مؤسساتي بالتحسيس وتوفير اللقاحات وتتبع الوضعية الصحية. ويذكّر بأن نسب التلقيح التي بلغت سابقاً ما بين 95 و96 في المائة كانت كافية لمنع حالات الحصبة والدفتيريا، غير أن تراجعها أعاد هذه الأمراض وخلّف وفيات، مع احتمال عودة أمراض وبائية أخرى إن استمر الانخفاض.
ويوضح حمضي أن المسار التلقيحي يبدأ بجرعات السنة الأولى، تليها جرعة تذكيرية في سن الخامسة أو السادسة، وأخرى بين الحادية عشرة والثانية عشرة، وصولاً إلى البالغين الذين يتعين عليهم أخذ جرعة كل عشرين سنة، ثم كل عشر سنوات ابتداءً من الخامسة والستين. وينبّه إلى أن الأسر تلتزم غالباً بلقاحات الرضاعة وتغفل محطتي خمس سنوات وإحدى عشرة سنة، داعياً إلى تفقد الدفاتر الصحية. لكنه يطمئن بإمكانية التدارك: فالطفل الذي استكمل جرعات سنته الأولى يحتاج إلى جرعة تذكيرية واحدة فقط، ولو تذكرها في الثامنة أو الحادية عشرة، مع تكفل المراكز الصحية بتحديد الجرعة الواجبة حتى عند ضياع الدفتر.
ويشدد حمضي على أن التلقيح هو الحل الجذري جماعياً، لاستحالة عزل الأطفال نهائياً وقدرة المرض على معاودة الظهور كلما انخفضت معدلات التحصين، أما العزل الصحي وتتبع المخالطين فيظلان إجراءين وقائيين على المستوى الفردي والأسري، بينما يتطلب الحل العام بلوغ تغطية مجتمعية في حدود 95 في المائة. ويطالب مؤسسات الدولة بالتحرك في كافة مناطق المغرب، دون الاكتفاء ببؤر الانتشار، لسد الخصاص في جميع التلقيحات واستدراكها، ويخلص إلى أن “تراجع الإقبال أثناء جائحة كوفيد-19، وما رافقه من تراخٍ مؤسساتي ومجتمعي نابع من اعتقاد خاطئ باختفاء هذه الأوبئة نهائياً، هو ما يدفع المغرب ثمنه اليوم”.