اخر الاخبار
الأجر الذي لا يكفي.. حين تصبح الطبقة الوسطى على حافة الهاوية
في المغرب، لم يعد السؤال المطروح هو "هل الأسعار ترتفع؟"، بل "إلى متى ستتحمل الأجور هذا الارتفاع؟". فبينما تواصل أسعار المواد الأساسية والخدمات زحفها الصامت على ميزانيات الأسر، تقف الأجور عاجزة عن اللحاق بالركب، لتجد فئات واسعة من الأجراء والموظفين نفسها أمام معادلة قاسية: دخل قار، لكنه لم يعد كافياً.
الأرقام التي أعلنها وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، فوزي لقجع، أمام البرلمان أثناء تقديم مشروع قانون المالية 2027، تضع هذا التناقض في قلب النقاش. فـ87 في المائة من الأجراء والموظفين لا تتجاوز أجورهم 10 آلاف درهم شهرياً، فيما يتقاضى نحو مليوني أجير ما يعادل الحد الأدنى القانوني للأجور. أرقام لا تعكس فقط محدودية المداخيل، بل تكشف عن تآكل قيمتها الفعلية بفعل التضخم، حيث لم يعد الأجر الذي كان يكفي أسرة قبل سنوات قادراً على تأمين المستوى نفسه من العيش، بعدما ابتلعت المصاريف اليومية الجزء الأكبر من الدخل الشهري.
لكن الخطورة لا تتوقف عند الأجراء وحدهم. فالطبقة المتوسطة، التي ظلت تاريخياً ركيزة التوازن الاجتماعي والاقتصادي، أصبحت بدورها تواجه رياحاً عكسية. هذه الفئة التي راهنت على العمل والتعليم والاستقرار المهني لتحسين أوضاعها، تجد اليوم مداخيلها بالكاد تغطي التزاماتها الشهرية، ما يقلص قدرتها على الاستهلاك والادخار، ويزيد مخاطر الانزلاق نحو الهشاشة حتى في صفوف الأسر ذات الدخل المنتظم.
والنتيجة أن الأزمة لم تعد مسألة فقر فقط، بل مسألة قدرة على الصمود. فحين يصبح الأجر غير كافٍ لتغطية السكن والتغذية والنقل والتعليم والصحة، يصبح السؤال عن جدوى العمل نفسه مشروعاً، خاصة لدى الشباب الذين يرون في الوظيفة طريقاً مسدوداً نحو الاستقرار.
بهذا المعنى، فإن ملف الأجور لم يعد شأناً تقنياً يُعالج في قانون المالية، بل قضية اجتماعية تمس أسس العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، وتستدعي مقاربة تشمل الضريبة والدعم والتشغيل والاستثمار في القدرة الشرائية، قبل أن تتحول الأزمة إلى احتقان أوسع.