اخر الأخبار
الرئيسية | اقلام حرة | سيادة التاريخ والجغرافيا: هل تسبق ديموغرافيا سبتة ومليلية الحسابات الدبلوماسية؟

سيادة التاريخ والجغرافيا: هل تسبق ديموغرافيا سبتة ومليلية الحسابات الدبلوماسية؟

أثار الكاتب والمؤرخ الإسباني البارز خوان إيسلافا غالان (Juan Eslava Galán) مؤخرا "عاصفة" من النقاشات السياسية والثقافية في إسبانيا، وذلك على هامش تقديم كتابه الجديد "الحرب الباردة مشروحة للمشككين" (La Guerra Fría contada para escépticos). ولم تكن هذه الضجة وليدة تحليل عابر، بل جاءت نتيجة مقاربة شجاعة و "جريئة" ومخالفة للمألوف السائد في الخطاب الرسمي أو غير الرسمي الإسباني بشأن مدينتي سبتة ومليلية السليبتين. فقد "حذر" غالان من سيناريو يراه قادما لا محالة ببطء وتدرج، معتبرا أن المدينتين قد تنتقلان إلى السيادة المغربية "دون أن يدرك الإسبان ذلك"، في قراءة متعمقة تتجاوز الشعارات العاطفية نحو رصد التحولات البنيوية على الأرض. ويرى الكاتب الإسباني الشهير أن "الديموغرافيا الصامتة" قد تكون هي "حتمية التغير الاجتماعي".. ويضع غالان الأصبع على الجرح الديموغرافي بالنسبة للإسبان.. فهو يرى أن التحولات السكانية المتسارعة داخل المدينتين السليبتين تمثل العامل الأقوى والأصمت في إعادة رسم الخرائط. فمع التزايد المستمر للسكان المسلمين مقابل التراجع الملحوظ في النسب المسيحية والإسبانية التقليدية،" تفقد السيادة الإسبانية ركيزتها الاجتماعية تدريجيا" من وجهة نظره. وحسب الكاتب الإسباني أيضا، هذا التحول لا يقتصر على الأرقام، بل يعكس اندماجا جغرافيا واقتصاديا واجتماعييا متجذرا في العمق المغربي المحيط بالمدينتين. وعليه، فإن طرح صيغ مثل "السيادة المشتركة" أو الانتقال التدريجي لم يعد مجرد فانتازيا سياسية، بل هو ترجمة واقعية لضغط الجغرافيا وديناميكيات السكان التي ستفرض نفسها عاجلا أم آجلا على طاولات القرار. و في قراءته الجيوسياسية، لم يغفل الكاتب الإسباني الأبعاد الدولية لقضية سبتة ومليلية السليبتين، مسلطا الضوء على الوزن الاستراتيجي المتصاعد للمملكة المغربية في معادلات القوى الإقليمية والدولية. واعتبر غالان أن واشنطن تنظر إلى الرباط بوصفها الحليف والشريك الأوثق والأكثر موثوقية لصياغة مستقبل الاستقرار والتنمية في القارة الإفريقية. ولتدليل هذا الطرح، استعاد الكاتب محطة تاريخية بارزة تمثلت في حرب إفني سنة 1957، حين تبنت واشنطن موقفا كابحا للرغبة الإسبانية، مانعة إياها من استخدام الأسلحة الأمريكية المقدمة لها. ومثل هذا الاستدعاء التاريخي رسالة مبطنة لمدريد مفادها أن التحالفات الاستراتيجية الكبرى قد تخضع لمعايير المصالح البراغماتية، وأنه في حال وقوع أي نزاع مستقبلي، فإن الكفة الأمريكية قد تميل بحكم الضرورة الاستراتيجية نحو الحليف المغربي. وفي زاوية أخرى لا تقل أهمية، تطرق غالان إلى بعد "الحرب الباردة المعاصرة"، مشيرا إلى تفوق استخباري ومعلوماتي للمغرب. فالكاتب يقر بأن تدبير ملفات بحجم سبتة ومليلية السليبتين لا يعتمد فقط على الجغرافيا والسياسة التقليدية، بل يتطلب "منظومة استخباراتية واتصالية عالية الكفاءة قادرة على قراءة الخرائط الخفية وإدارة الملفات بهدوء وفعالية بعيدا عن الصخب الإعلامي". و قراءة خوان إيسلافا غالان لا تمثل مجرد استشراف لمستقبل مدينتين مغربيتين سليبتين وإنما هي دعوة صريحة للنخبة السياسية في مدريد لمواجهة الواقع بشجاعة بعيدا عن الإنكار. وإن تفاعل الديموغرافيا، و المصالح الدولية الكبرى، والعمق الجغرافي، يجعل من مسألة سبتة ومليلية ملفا مفتوحا على كل الاحتمالات التاريخية، حيث تبدو الجغرافيا والديموغرافيا في النهاية صاحبة الكلمة الفصل.