اخر الأخبار
الرئيسية | مجتمع | ظاهرة المشردين بطنجة.. بين حملات "التطهير" وعودة دائمة إلى الشارع

ظاهرة المشردين بطنجة.. بين حملات "التطهير" وعودة دائمة إلى الشارع

في شوارع طنجة، بين زحام المدينة وتوسعها العمراني، تعيش فئة من الناس بلا سقف ولا عنوان. تجدهم في محيط محطة القطار، وأمام المساجد، وتحت الجسور، وفي حدائق المدينة، وأزقة المدينة العتيقة. بعضهم كبّر ونحلّ، وآخرون شباب في ريعان العمر. جميعهم يجمعهم قدر واحد: العيش على هامش المجتمع، في مدينة تتطور بسرعة لكنها تترك خلفها من لم يستطع اللحاق بالقطار.

ظاهرة المشردين، أو ما يُعرف محلياً بـ"بلا مأوى"، ليست جديدة على طنجة، لكنها تعرف تحولاً في طبيعتها وحجمها. فإذا كانت في الماضي مرتبطة بأشخاص مسنين أو مصابين بأمراض نفسية، فإنها اليوم تشمل شباباً فقدوا عملهم، وأسراً تفككت، ومهاجرين عالقين، وأشخاصاً خرجوا من السجون أو المستشفيات دون أي شبكة دعم. والنتيجة أن المدينة باتت تضم شريحة متزايدة من السكان بلا سكن، يتوزعون على نقاط معروفة، ينامون في العراء أو في ملاجئ مؤقتة، ويواجهون مخاطر يومية لا حصر لها.

خلف كل وجه في الشارع قصة. هناك من فقد وظيفته في القطاع غير المهيكل، فلم يعد قادراً على تحمل كراء غرفة. وهناك من يعاني اضطرابات نفسية، فانقطعت صلاته بأسرته. وهناك من غادر قريته بحثاً عن العمل في المدينة، فوجد نفسه في الشارع بعد أن نفد ما في جيبه. وهناك أيضاً نساء، بعضهن مع أطفال، يعشن في ظروف بالغة الهشاشة، بعيداً عن أعين المتدخلين. وتؤكد الجمعيات العاملة في المجال أن أغلب المشردين لا يختارون هذه الحياة، بل يجدون أنفسهم فيها نتيجة تراكم ظروف قاهرة: الفقر، والبطالة، وانعدام السكن الاجتماعي، وضعف شبكات الحماية الأسرية والاجتماعية، وتفشي الإدمان في بعض الحالات، وقلة مراكز الاستقبال المتخصصة.

لكن المشهد الذي يتكرر كل يوم في طنجة يطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً من أي إحصاء: ما جدوى الحملات الأمنية التي تقودها السلطات لـ"تطهير" الفضاء العام من المشردين، إذا كان هؤلاء يعودون إلى المكان نفسه الذي أُخذوا منه بعد ساعات أو أيام قليلة؟ في كل مرة تُنظم حملة، تُجمع الأمتعة والأغطية، ويُقتاد الأشخاص إلى مراكز أو مصالح معينة، ثم يُطلق سراحهم بعد وقت قصير، ليعودوا إلى الرصيف نفسه، والزاوية نفسها، والجسر نفسه. وكأن الحملة ليست حلاً، بل إجراءً شكلياً يهدف إلى "تنظيف" الصورة مؤقتاً، لا إلى معالجة الظاهرة.

هذا النمط من التدخل يضع علامة استفهام كبيرة على جدوى المقاربة الأمنية وحدها. فالمشرد الذي يُقتاد إلى مركز استقبال ويُقدَّم له طعام وملابس، ثم يُعاد إلى الشارع في اليوم التالي دون مواكبة نفسية أو اجتماعية أو تكوين أو سكن، لا يمكن أن يتغير وضعه. وإذا كانت السلطات تتعامل معه كملف أمني يجب إزالته من المشهد، بدل التعامل معه كإنسان يحتاج إلى إدماج، فإن النتيجة الحتمية هي الدوران في حلقة مفرغة: حملة، ثم عودة، ثم حملة أخرى، والشارع يبقى كما هو.

ويزيد من تعقيد المشكلة أن كثيراً من المشردين لا يملكون وثائق هوية، ما يحرمهم من الولوج إلى الخدمات الصحية أو التكوين أو حتى الحصول على عمل. فإعادة إدماج مشرد قد تبدأ أحياناً من استخراج بطاقة تعريف، وهي عملية قد تستغرق أشهراً بسبب البيروقراطية. وفي غياب هذه الوثائق، تصبح كل الجهود مهددة بالفشل، لأن الشخص يبقى خارج أي إطار قانوني أو اجتماعي.

على مستوى الاستجابة العمومية، تتوفر طنجة على عدد محدود من مراكز الاستقبال، أبرزها مراكز تابعة للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية والقطاع الاجتماعي، لكن طاقتها الاستيعابية لا تغطي الحاجة. وبعض هذه المراكز تعمل بميزانيات هشة، وتفتقر إلى الموارد البشرية المؤهلة، خصوصاً في مجال الصحة النفسية، ما يجعل التكفل بالحالات المعقدة صعباً. وفي المقابل، تلعب جمعيات المجتمع المدني دوراً أساسياً في التخفيف من المعاناة، عبر توزيع الوجبات الساخنة، وتوفير الملابس والأغطية، والمساهمة في استخراج الوثائق، وتوجيه الحالات إلى المستشفيات. لكن هذه الجهود، رغم أهميتها، تبقى إسعافية ولا تحل جذور المشكلة، خاصة في غياب إطار قانوني واضح وبرنامج وطني لمحاربة التشرد، ومقاربة تعتمد على الإدماج بدل الاكتفاء بالإيواء المؤقت أو الطرد من الفضاء العام.

معالجة ظاهرة المشردين لا يمكن أن تختزل في بناء ملاجئ أو تنظيم حملات أمنية، بل تتطلب مقاربة شمولية تبدأ بالوقاية عبر تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي، ودعم الأسر الهشة، والحفاظ على السكن الاجتماعي بأسعار في المتناول، ومواكبة الأشخاص المعرضين للخروج من المستشفيات أو السجون. وتستمر بالتكفل عبر مراكز استقبال مجهزة، وفرق ميدانية متخصصة، وتوفير الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية، واستخراج الوثائق المدنية. وتنتهي بالإدماج عبر برامج تكوين مهني، ودعم إعادة الإدماج في سوق الشغل، ومواكبة نفسية واجتماعية لائقة، بدل الاكتفاء بإطعام المشردين وإعادتهم إلى الشارع في اليوم التالي. كما تحتاج الظاهرة إلى إطار قانوني واضح يحدد مسؤوليات الدولة والجماعات والقطاع الجمعوي، ويحمي المشردين من الاستغلال والاعتداء.

فالسؤال الحقيقي الذي يجب أن تواجهه طنجة ليس "كم مشرداً أخذنا من الشارع اليوم؟"، بل "كم مشرداً لم يعد إلى الشارع بعد أن أخذناه؟". وحتى الآن، الأرقام لا تتحدث عن نجاح، بل عن دوران في حلقة مفرغة. والمدينة التي تبني بنياتها وتستعد لاستقبال العالم في مونديال 2030، مدعوة إلى الإجابة على سؤال أخلاقي بسيط: هل يمكن أن تكون مدينة عالمية بينما ينام أبناؤها في العراء، وحملات "التطهير" تعيدهم إلى المكان نفسه كل صباح؟