طنجة: أرقام تُطمئن وواقع يُنبّه.. صحة بلا أطر وتعليم بلا صيانة وسكن على حافة الانهيار
في تقرير رسمي حديث، تبدو طنجة وكأنها تعيش مفارقة كاملة: مؤشرات ترتفع، وأرقام تتحسن، وبرامج تُعلن نجاحها، لكن الشارع يقول شيئاً آخر. فالمستشفيات تعاني عجزاً في الموارد البشرية، والمدارس تحتاج صيانة أكثر مما تحتاج إحصائيات، والأحياء الناقصة التجهيز تتحول إلى قنابل موقوتة تهدد آلاف الأسر. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن أمام تأهيل حقيقي، أم أمام أرقام تُجمّل الواقع دون أن تغيره؟
في قطاع الصحة، تحسن ملموس على مستوى الولوج إلى الخدمات. نسبة النساء اللاتي تلقين استشارات طبية قبل الولادة بلغت 86 في المائة، و84.8 في المائة من حالات الولادة تمت تحت إشراف أطر طبية مؤهلة، فيما وصلت نسبة التطعيم الكامل للأطفال بين 12 و23 شهراً إلى 95.3 في المائة، مع انخفاض في أمراض معدية مثل السل. لكن التقرير نفسه يضع الإصبع على الجرح الأكبر: العجز في الموارد البشرية. فبدون أطر طبية كافية، تبقى كل هذه الأرقام هشة، وقابلة للانهيار عند أول أزمة.
وفي التعليم، الصورة أكثر إشراقاً على الورق. تمدرس الأطفال في التعليم الأولي انتقل من 58.2 إلى 81.2 في المائة، وفي الابتدائي بلغ 99.4 في المائة، وفي الإعدادي 92.5 في المائة، وفي الثانوي 63.42 في المائة، مع ارتفاع مؤشر التكافؤ بين الجنسين وانخفاض الاكتظاظ بالأقسام. وارتفع عدد الطلبة بالمؤسسات الجامعية والعالية بنسبة 63 في المائة، ليستقبل أكثر من 125 ألف طالب، مع تزايد البنيات البحثية والمنشورات العلمية المصنفة. لكن هل تكفي هذه الأرقام لتغطية واقع الأقسام المكتظة وضعف البنيات التحتية في بعض المؤسسات؟
أما السكن، فهو الملف الأكثر إثارة للقلق. فبرنامج "مدن بدون صفيح" مكن من تحسين ظروف عيش 12 ألفاً و637 أسرة حتى نهاية 2021، وأُعلنت خمس مدن بدون صفيح من أصل 11 معنية بالجهة، مع قرب الإعلان عن أربع أخرى. كما جرى معالجة 3255 مبنى مهدداً بالانهيار، واستفادت أكثر من 400 ألف أسرة من برامج تأهيل الأحياء. لكن في المقابل، تعرف إعادة هيكلة الأحياء الناقصة التجهيز تدهوراً كبيراً، ما يسبب بدوره تدهور البنيات التحتية للتجزئات العقارية المحيطة. وهكذا، تتحول برامج التأهيل إلى إجراءات ترقيعية، تعالج الأعراض دون أن تمس الأسباب.
بهذا، تجد طنجة نفسها أمام معادلة صعبة: صحة تحتاج أطراً، وتعليم يحتاج صيانة واستثماراً مستداماً، وسكن يحتاج رؤية تمنع عودة الصفيح والانهيارات. والتحدي الحقيقي ليس في إنتاج الأرقام، بل في تحويلها إلى واقع يعيشه المواطن كل يوم. فالتأهيل الشامل لا يُقاس بعدد التقارير، بل بجودة الخدمات التي تصل إلى الناس، وبقدرة المدينة على استيعاب نموها دون أن تدفع فاتورة ذلك من صحة أبنائها وتعليمهم وسكنهم.