45 سنة من الدراسات و10 موظفين.. مشروع نفق جبل طارق يواصل ابتلاع الملايين
بعد أربعة عقود ونصف من التوقيع على أول اتفاقية بين الرباط ومدريد، لا يزال مشروع الربط القاري عبر مضيق جبل طارق حبيس الأدراج. فبدل أن تخرج القطارات من إسبانيا إلى المغرب، تخرج كل سنة ميزانيات جديدة لدراسات جديدة، تُضاف إلى أرشيف ضخم من التقارير التي لم تترجم إلى حجر واحد تحت الماء.
ففي مشروع قانون المالية لسنة 2027، رصدت الشركة الوطنية لدراسات مضيق جبل طارق غلافاً استثمارياً قدره 120 مليون درهم، مخصصاً في مجمله لـ"مراجعة جميع الدراسات" المتعلقة بالمشروع، إلى جانب محاور أخرى تشمل بيئة المشروع، واستكشاف الهياكل تحت أرضية، والجوانب الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، ثم الترويج للمشروع. وتبلغ منحة التسيير المخصصة للوزارة الوصية 30 مليون درهم، مع توقعات بضخ 7 ملايين درهم إضافية في كل من 2028 و2029.
هذه الأرقام تُطرح اليوم في وقت لا يتجاوز فيه عدد العاملين بالشركة المكلفة بالمشروع عشرة أشخاص فقط، بينهم خمسة أطر تنفيذية، ومهندسان أو إطاران مدمجان، وإطار متوسط واحد، وعونا تنفيذ. أي أن الجهاز الذي يُدير واحداً من أكبر المشاريع الاستراتيجية الممكنة بين قارتين، يتكون من فريق يمكن أن يجتمع كاملاً في غرفة صغيرة.
الحكاية بدأت سنة 1980، حين وقع البلدان على الاتفاقية المؤسسة للمشروع، قبل أن تُعزز باتفاقية ثانية سنة 1989. وفي 2009، احتضنت طنجة الدورة 42 للجنة الحكومية المختلطة، قبل أن يدخل المشروع في سبات دام 14 سنة، إلى أن أعادت الدورة 43 المنعقدة في أبريل 2023 تنشيطه. ومنذ ذلك الحين، تعود الدراسات إلى الواجهة: تحديث المعطيات الزلزالية، ومسح طوبوغرافي لقاع المحيط، وقياسات تكتونية بأجهزة محمولة في قاع المضيق، ودراسة للنفق الاستكشافي، واتفاقيات مع مركز دراسات النقل لغرب المتوسط، وتحول رقمي للشركة يشمل رقمنة الأرشيف وإعداد بوابة إلكترونية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يحتاج مشروع بهذا الحجم إلى 45 سنة من المراجعات والدراسات قبل أن يبدأ؟ أم أن الأمر يتعلق بمشروع يُدار أكثر مما يُنجز، ويُموّل أكثر مما يُنفذ؟
المفارقة أن الجانبين المغربي والإسباني يتحدثان عن "برنامج عمل مشترك" و"دورات للجنة المختلطة" و"آليات للتنسيق"، بينما لا يزال النفق فكرة على الورق. وفي كل مرة تُعلن ميزانية جديدة، يُقال إنها "في انتظار عقد الدورة المقبلة"، وكأن المشروع لم يعد مشروعاً للربط بين القارتين، بل مؤسسة قائمة بذاتها، تتكاثر فيها الاجتماعات وتتراكم فيها الوثائق، دون أن تتحول إلى حفرة واحدة في قاع البحر.
بهذا، يجد المغرب نفسه أمام معادلة غريبة: دولة تُنفق ملايين الدراهم سنوياً على دراسة مشروع، بينما تنتظر منه أن يغير خريطة النقل والتجارة بين إفريقيا وأوروبا. وبعد 45 سنة، قد يكون السؤال الأصدق: هل نحن أمام مشروع مؤجل، أم أمام مشروع يُدار فقط ليبقى مؤجلاً؟