51 سنة على المسيرة الخضراء.. المغرب يطوي عصر "الوضع القائم" ويحسم معركة مغربية الصحراء
يخلد الشعب المغربي، يوم الجمعة السادس من نونبر 2026، الذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة، في لحظة تاريخية فارقة تطبعها تعبئة وطنية شاملة لترسيخ مغربية الصحراء، وانتقال استراتيجي غير مسبوق من منطق "تدبير الوضع القائم" إلى مقاربة الحسم والتحول العميق، تنفيذاً للرؤية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله.
هذه المحطة الجليلة، التي تتزامن مع تخليد الذكرى الأولى لعيد الوحدة، ليست مجرد استحضار لحدث عابر، بل هي وقفة أمام ملحمة سلمية أذهلت العالم. ففي مثل هذا اليوم من سنة 1975، تجسدت عبقرية الملك الموحد، جلالة المغفور له الحسن الثاني، طيب الله ثراه، حين انطلقت جموع المتطوعين من كل ربوع المملكة صوب الأقاليم الجنوبية، متسلحين بالإيمان وكتاب الله، لتحطيم الحدود المصطنعة واستعادة الحق المسلوب من براثن الاحتلال الإسباني، في مسيرة حضارية فريدة أظهرت للعالم أجمع تلاحم العرش والشعب.
ويأتي هذا الحدث الجيلي تتويجاً لمسار نضالي طويل وملحمة جهادية كبرى خاضها المغرب لقرون. فبعد عقود من التقسيم والوجود الأجنبي الذي جثم على التراب الوطني، تكللت تضحيات الشعب المغربي بعودة بطل التحرير جلالة المغفور له محمد الخامس، طيب الله ثراه، من المنفى معلناً انتهاء عهد الحماية. ومنذ ذلك الحين، لم يتوقف النضال لاستكمال الوحدة الترابية؛ من عمليات جيش التحرير بالجنوب سنة 1956، إلى استرجاع إقليم طرفاية سنة 1958، ثم مدينة سيدي إفني سنة 1969، وصولاً إلى المسيرة الخضراء التي فتحت الأبواب لرفع العلم المغربي خفاقاً في سماء العيون سنة 1976، واستكمال استرجاع وادي الذهب سنة 1979.
واليوم، وبعد مرور 51 عاماً، تقف المملكة على أعتاب مرحلة مفصلية جديدة. فقد أكدت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، في بلاغ لها، دعمها المطلق واللامشروط لمضامين بلاغ الديوان الملكي الصادر في 30 أكتوبر الماضي، والذي شكل منعطفاً سياسياً ودبلوماسياً واسع الأثر. هذا التحول النوعي، الذي يقطع نهائياً مع 35 سنة من التعامل مع القضية كملف إداري، يبني على التحول العميق للمحددات، ليفتح الباب واسعاً أمام الدينامية الدبلوماسية غير المسبوقة التي يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، لتقوية الزخم الدولي الداعم للوحدة الترابية وللحكم الذاتي كحل وحيد ونهائي.
ولم يقتصر هذا الانتصار على الجانب السياسي، بل تجسد بقوة على أرض الواقع في الأقاليم الجنوبية، التي تحولت بفضل العناية الملكية السامية إلى ورش تنموي مفتوح. فشبكات النقل والبنيات التحتية الاستراتيجية، والنهضة الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، جعلت من هذه الربوع فضاءً واعداً للاستثمار والإشعاع القاري والدولي، ومثالاً حياً على تكامل مسار ترسيخ الوحدة مع مسار البناء والازدهار.
وتخليداً لهذه المناسبة الغالية، تنظم المندوبية السامية، غداً الجمعة على الساعة العاشرة والنصف صباحاً بالفضاء الوطني للذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بالرباط، مهرجاناً خطابياً وندوة فكرية، سيتم خلالهما تكريم 8 من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير عرفاناً بتضحياتهم. كما ستشهد مختلف جهات وعمالات المملكة، عبر 110 فضاءات للذاكرة، سلسلة من الأنشطة والفعاليات التربوية والثقافية، في تجسيد صارخ على أن التعبئة الوطنية للدفاع عن المقدسات والثوابت مستمرة، وأن جيل اليوم يحمل نفس الإرادة الصلبة التي صنعت مجد المسيرة الخضراء.