طنجة تحتضن المنتدى الوطني حول تحويلات مغاربة العالم وقطاع الصرف.. نحو تحويل المدخرات إلى استثمارات منتجة
احتضنت مدينة طنجة، يوم السبت 8 غشت الجاري، أشغال المنتدى الوطني حول تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج وقطاع الصرف، المنظم بمبادرة من جمعية المرصد المغربي (Cynegetica)، وبشراكة مع عدد من المؤسسات والهيئات ذات الصلة بقضايا مغاربة العالم، وذلك بالتزامن مع الاحتفال باليوم الوطني للمغاربة المقيمين بالخارج. واختار المنظمون لهذا الموعد الاقتصادي شعار "المغاربة المقيمون بالخارج: شركاء استراتيجيون في التنمية الاقتصادية والاستثمار"، في تعبير واضح عن الرغبة في الانتقال من التعامل مع تحويلات الجالية باعتبارها مجرد تدفقات مالية، إلى النظر إليها باعتبارها رافعة حقيقية للاستثمار والإنتاج وخلق فرص الشغل وتحقيق التنمية المستدامة. وقال الصديق بن زينة رئيس المنتدى أن تنظيم هذا اللقاء يأتي في سياق الدينامية الوطنية الرامية إلى تعزيز ارتباط مغاربة العالم بوطنهم، وتثمين أدوارهم الاقتصادية والاجتماعية، انسجاماً مع التوجيهات الملكية السامية التي أكدت في مناسبات متعددة أهمية إشراك أفراد الجالية المغربية في مسار التنمية، والاستفادة من كفاءاتهم وتجاربهم وشبكاتهم الاقتصادية ورؤوس أموالهم في دعم الأوراش الكبرى التي تعرفها المملكة. تحويلات مالية بأهمية استراتيجية وتحظى الجالية المغربية بمكانة اقتصادية متزايدة، بالنظر إلى حجمها وانتشارها عبر مختلف القارات، إذ يتجاوز عدد المغاربة المقيمين بالخارج خمسة ملايين شخص، موزعين على أكثر من مائة دولة. وتواصل تحويلات مغاربة العالم لعب دور أساسي في الاقتصاد الوطني، بعدما تجاوزت مستويات قياسية قدرت بأكثر من 117 مليار درهم سنوياً، وهو ما يجعلها إحدى أهم مصادر العملة الصعبة للمملكة، وأحد المكونات الرئيسية للتوازنات المالية والاقتصادية. ولا تقتصر أهمية هذه التحويلات على توفير العملة الصعبة وتعزيز احتياطي المملكة منها، بل تمتد آثارها إلى دعم ميزان الأداءات، وتنشيط الاستهلاك الداخلي، وتمويل اقتناء العقارات وإنجاز المشاريع، فضلاً عن مساهمتها المباشرة وغير المباشرة في تحريك قطاعات اقتصادية حيوية، من قبيل العقار والسياحة والخدمات والبناء والأشغال العمومية. كما تشكل تحويلات الجالية، بالنسبة للعديد من الأسر المغربية، مصدراً مهماً للدخل والاستقرار الاجتماعي، وهو ما يمنحها بعداً اقتصادياً واجتماعياً يتجاوز القيمة المالية المباشرة للأموال المحولة. قطاع الصرف في قلب التحولات الجديدة وفي موازاة ذلك، سلط المنتدى الضوء على الدور المحوري الذي يضطلع به قطاع الصرف في مواكبة التدفقات المالية لمغاربة العالم، باعتباره حلقة أساسية في منظومة تحويل الأموال عبر القنوات الرسمية والآمنة. ومع التسارع الكبير الذي تعرفه الرقمنة في المجال المالي، أصبح تطوير خدمات الصرف والتحويلات ضرورة ملحة للاستجابة للتحولات التي يعرفها سلوك الزبناء، خصوصاً أفراد الجالية الذين أصبحوا يبحثون عن خدمات سريعة وآمنة وشفافة وبتكاليف تنافسية. ويندرج هذا التوجه أيضاً ضمن الجهود الرامية إلى تعزيز الشمول المالي، وتوسيع استخدام القنوات الرسمية في تحويل الأموال، والحد من اللجوء إلى المسالك غير النظامية، إلى جانب تطوير منتجات مالية مبتكرة تتلاءم مع احتياجات مغاربة العالم، سواء تعلق الأمر بالتحويلات أو الادخار أو التمويل أو الاستثمار. من التحويلات إلى الاستثمار المنتج ورغم المؤشرات الإيجابية المرتبطة بتدفقات تحويلات مغاربة العالم، فإن التحدي الأكبر، وفق ما تم التأكيد عليه خلال المنتدى، يتمثل في رفع حجم الاستثمارات المنتجة التي ينجزها أفراد الجالية داخل المغرب، بما يتناسب مع الإمكانات المالية والبشرية التي تتوفر عليها هذه الفئة. فالمعادلة لم تعد مرتبطة فقط بارتفاع حجم الأموال المحولة إلى المملكة، وإنما بكيفية توجيه جزء أكبر منها نحو مشاريع قادرة على خلق الثروة وفرص الشغل، وتعزيز الإنتاج الوطني والمساهمة في التنمية المجالية. وفي هذا السياق، برزت الحاجة إلى مواصلة تحسين مناخ الأعمال، وتبسيط المساطر الإدارية، وتسريع معالجة الملفات الاستثمارية، وتعزيز آليات المواكبة والتوجيه، فضلاً عن توفير حلول تمويلية أكثر مرونة وملاءمة للمستثمرين من مغاربة العالم. كما تمت الدعوة إلى تطوير منتجات مالية مبتكرة تستجيب لخصوصيات الجالية، وتمكنها من الاستثمار عن بعد، ومتابعة مشاريعها بسهولة، والاستفادة من خدمات رقمية آمنة وشفافة، بما يعزز الثقة ويشجع على الانتقال من الاستثمار التقليدي إلى الاستثمار المنتج والمهيكل. -نقاش متعدد الأبعاد وشهد المنتدى مشاركة مسؤولين وممثلين عن مؤسسات مالية وأبناك وشركات للصرف، إلى جانب مستثمرين وخبراء وأساتذة جامعيين وفعاليات من المجتمع المدني، حيث شكل اللقاء مناسبة لفتح نقاش موسع حول واقع تحويلات مغاربة العالم وآفاق تطويرها، ومستقبل قطاع الصرف في ظل التحول الرقمي المتسارع. كما تطرق المشاركون إلى سبل تشجيع الاستثمار المنتج، وتطوير الخدمات المالية الرقمية، وتحسين آليات مواكبة المستثمرين من أبناء الجالية، فضلاً عن تعزيز مساهمتهم في التنمية الترابية وتمويل المشاريع ذات القيمة المضافة على المستوى المحلي والجهوي. واستأثرت العلاقة بين القطاعين العام والخاص باهتمام خاص، بالنظر إلى الدور الذي يمكن أن تضطلع به الشراكة بين مختلف المتدخلين في بناء منظومة أكثر فعالية لخدمة مغاربة العالم، والاستجابة لانتظاراتهم، وتحويل علاقتهم الاقتصادية بالمغرب إلى شراكة استراتيجية طويلة الأمد. رهان على مغاربة العالم في أفق 2030 ويكتسي النقاش حول استثمارات مغاربة العالم أهمية متزايدة في ظل الأوراش الاقتصادية والتنموية الكبرى التي أطلقها المغرب، وما ينتظر المملكة من استحقاقات دولية كبرى، وفي مقدمتها الاستعدادات لاحتضان نهائيات كأس العالم 2030. ويرى المشاركون أن المرحلة المقبلة تتيح فرصاً جديدة أمام المستثمرين المغاربة المقيمين بالخارج، خصوصاً في قطاعات السياحة والصناعة والخدمات واللوجستيك والعقار والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، وهي قطاعات مرشحة للاستفادة من الدينامية الاقتصادية التي ستواكب هذه الاستحقاقات. واختتم المنتدى برفع مجموعة من التوصيات والمقترحات العملية الرامية إلى تعزيز الثقة بين مغاربة العالم ومختلف المؤسسات، وتحسين الخدمات المالية الموجهة إليهم، وتسهيل ولوجهم إلى فرص الاستثمار، مع العمل على توجيه نسبة أكبر من تحويلاتهم نحو المشاريع المنتجة. وبذلك، لا يبدو الرهان المطروح اليوم مرتبطاً فقط بالحفاظ على تدفقات تحويلات مغاربة العالم، وإنما ببناء نموذج جديد يجعل من الجالية شريكاً اقتصادياً واستثمارياً كاملاً في التنمية الوطنية، يستفيد من إمكاناتها المالية والبشرية وخبراتها الدولية، ويمنحها في المقابل بيئة أكثر جاذبية ومرونة للاستثمار والمساهمة في بناء اقتصاد مغربي أكثر تنافسية وانفتاحاً.