"الغازوال" يحرق الأخضر واليابس.. فلاحو الشمال يهددون بالهجرة من الأرض
في مشهد تناقضه صارخ، بينما تبدو السماء مواتية والأرض عطشى لموسم فلاحي واعد، يغرق فلاحو الشمال في صمت قاتل. فبدلاً من أن تعلو أصوات الجرارات في حوض اللوكوس وضواحي القصر الكبير، يسود الترقب والبطء في عمليات الحرث. ليس بسبب قسوة الطبيعة هذه المرة، بل لأن "الغازوال" الذي يحرك الجرارات، أصبح يحرق جيوبهم قبل الأرض، ليدفعهم إلى التفكير جدياً في التخلي عن الزراعة نهائياً.
المعادلة أصبحت قاتلة في حقول الشمال. فساعة الحرث، التي كانت في متناول الجميع، صارت اليوم بمثابة "ترف" لا يقدر عليه إلا القادرون، إذ قفزت تكلفتها من 150 درهماً إلى ما بين 200 و250 درهماً. والسبب بسيط وموجع: الجرار يبتلع 8 لترات من المحروقات في الساعة الواحدة، وسعر اللتر تجاوز حاجز 17 درهماً، أي أن 136 درهماً تتبخر في الهواء لمجرد إدارة المحراث، قبل أن تضاف إليها فواتير الأسمدة والبذور والعمالة، لتجد الفلاح نفسه أمام معادلة خاسرة.
ويؤكد فلاحون في المنطقة أن هذا الوضع غير المسبوق لم يعد يقتصر على تكاليف الحرث، بل انعكس بشكل كارثي على أسعار بيع المنتجات الفلاحية. فالثمن الذي يُباع به القمح أو الشمندر أو القطاني، لم يعد يتناسب مع نفقات الإنتاج، ليتبخر هامش الربح ويجد الفلاح نفسه عاجزاً عن مواصلة نشاطه. والنتيجة الأكثر دلالة على عمق الأزمة هي حالة الركود التي تضرب سوق كراء الأراضي الفلاحية، حيث باتت المساحات معروضة للكراء بلا طالب، لأن الفلاح الذي كان يحرث الأرض، أصبح اليوم أسير أزمة مالية خانقة.
هذه الفوضى الاقتصادية دفعت الأصوات الفلاحية إلى توجيه انتقادات لاذعة للسياسات الحكومية، معتبرة أن الفلاح يعيش في غياب شبه تام عن أولويات الحكومة. فبينما تتدخل الدولة لدعم قطاعات كالنقل العمومي، تُترك الفلاحة تواجه مصيرها، بل وتُغرق السوق بالاستيراد العشوائي للحبوب والقطاني واللحوم، مما يزيد من خنق المنتج المحلي ويدفع به نحو الهاوية. ويحذر هؤلاء من أن الفلاحة ليست مجرد نشاط اقتصادي عادي، بل هي خط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي للمملكة.
وفي تأكيد رسمي لهذا النزيف، يحذر ممثلو القطاع من أن هذا الارتفاع الجنوني في كلفة الحرث سيدفع فئات واسعة من الفلاحين إلى العدول عن زرع أراضيهم خلال الموسم الحالي. فما يروج الآن في أروقة الفلاحين ليس الحديث عن محصول وافر، بل عن "هجرة الأرض" وتوقف الجرارات. والسؤال الذي يفرض نفسه: إذا توقفت الجرارات، فمن سيعوض هذا النقص، وهل تكفي خزائن الاستيراد لتأمين قوت المواطنين، أم أن الفلاح المغربي سيدفع فاتورة غياب الدعم بترك حقوله، لنجد أنفسنا أمام أزمة غذائية حقيقية في قادم الأيام؟