حافلات لامعة وتدبير معتم.. «إيصال» تُهين طنجة كل صباح
في طنجة، يمكنك أن تشتري حافلات حديثة، وأن تضع عليها شعاراً أنيقاً، وأن تطلق حملة إعلامية مبهرة. لكن كل ذلك ينهار أمام مشهد واحد: طالب يقف ثماني ساعات أمام شبيكة، أو عامل ينتظر حافلة لا تأتي، أو أسرة تدفع مرتين لأن الاشتراك المخفض تأخر. هذا هو جوهر الأزمة: «إيصال المدينة» غيّرت الأسطول، لكنها لم تغيّر العقلية.
في سنة 2026، وحين تُدار أبسط الخدمات بتطبيقة هاتف، لا يزال طلبة وتلاميذ طنجة مضطرين إلى التوجه جسدياً إلى شبابيك الشركة، والانتظار ساعات طويلة، للحصول على بطاقة اشتراك أو تجديدها. شهادات موثقة تحدثت عن انتظار من التاسعة صباحاً إلى الخامسة والنصف مساءً. طالب يخسر يومه الدراسي، وأسرة تدفع ثمن التنقل الإضافي، والشركة صامتة.
والأخطر أن النظام الجديد للاشتراكات جاء بقيود إضافية: عدد محدد من الرحلات، وحصر الاشتراك في خط أو خطين، وتراجع عن مرونة صيغ سابقة. فهل صُمم هذا النظام لحاجة الطلبة، أم لراحة الشركة؟ ثم تأخر تفعيل التسعيرة المخفضة مع بداية الموسم الدراسي، فأصبح الطالب يدفع من جيبه ثمن تأخير لا ذنب له فيه. وحين يُطلب من أسرة محدودة الدخل أن تدفع مرتين، فمن يتحمل المسؤولية؟
وإلى جانب الاشتراكات، تتكرر الشكاوى: حافلات لا تتوقف في المحطات، وانتظار يصل إلى ساعة، واكتظاظ في ساعات الذروة، واضطراب في المواعيد. أسطول جديد، لكن الخدمة قديمة. حافلات لامعة، لكن التدبير معتم. والنتيجة أن المواطن الطنجاوي يدفع من وقته وجيبه ثمن اختلالات لم يخترها.
النقل الحضري ليس تجارة عابرة، بل خدمة عمومية ذات بعد اجتماعي. وحين تتحول الحافلة من وسيلة إلى عقبة، فإن أول من يدفع الثمن هو الطالب والعامل والأسرة. والسؤال الذي يجب أن يُطرح على الشركة والجهات الوصية، بلا مجاملة: من سيحاسب على هذه الفوضى؟ ومن سيوقف هذا العبث بخدمة تُدفع مقابلها ويُنتظر فيها بلا أفق؟
طنجة لا تحتاج إلى حافلات جديدة فقط، بل إلى إدارة جديدة. وإلى أن يحدث ذلك، ستبقى المدينة تنتظر.. تماماً كما ينتظر الطلبة أمام شبابيك «إيصال».