اخر الأخبار
الرئيسية | سياسة | برنامج حكومي بلا بوصلة تنفيذ؟ تقرير يكشف "ثقوباً" في 74 هدفاً

برنامج حكومي بلا بوصلة تنفيذ؟ تقرير يكشف "ثقوباً" في 74 هدفاً

لم يكد البرنامج الحكومي 2026-2031 يخرج إلى العلن حتى بدأ يخضع لمشرط التدقيق. وآخر من وضع يده على "ثقوبه" هو المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، الذي خلص في تقرير استراتيجي إلى أن الوثيقة، رغم ما تحمله من أهداف طموحة، تعاني من خلل بنيوي في قابلية التنفيذ.

المشكلة الأولى: الأرقام. البرنامج يتضمن 74 هدفاً كمياً، لكن 20 فقط منها تستند إلى خط أساس محدد داخل النص، بينما 40 هدفاً تفتقر إلى أي أجل صريح أو دورية سنوية للإنجاز. وبعبارة أخرى، لا أحد يعرف متى يجب أن تتحقق هذه الأهداف، ولا كيف ستُقاس.

لكن التقرير لا يتوقف عند مسألة القياس. فهو يغوص في التفاصيل التقنية التي قد تتحول إلى عوائق حقيقية. خذ مثلاً ملف تحلية المياه: إنتاج 1.8 مليار متر مكعب سنوياً بحلول 2031 قد يستهلك ما بين 5.4 و9 تيراواط ساعة من الكهرباء سنوياً، أي ما يعادل 11 إلى 18 في المائة من الطلب الوطني على الكهرباء المسجل سنة 2025. رقم ثقيل، يفرض احتساب الطلب المرتقب على الطاقة قبل تقييم جدوى أي مشروع استراتيجي، خصوصاً مع توجه المغرب نحو الذكاء الاصطناعي والهيدروجين والصناعة الخضراء.

هنا يطرح التقرير سؤالاً جوهرياً: البرنامج يراهن على الالتقائية بين القطاعات، لكنه لا يحدد آلية عملية لترتيب الأولويات عندما تتنافس المشاريع على الموارد نفسها. ولا يقدم ميزاناً موحداً للاحتياجات المستقبلية من الماء والكهرباء والكفاءات. ومعنى ذلك أن "السيادة الاستراتيجية" قد تبقى محصورة في حجم الاستثمارات المعلنة، دون تقييم للإنتاج الفعلي وتوزيعه وأثره الاقتصادي.

ملف التشغيل: الأرقام لا تتطابق

من الأهداف التي توقف عندها التقرير، إحداث نحو مليون منصب شغل خلال الولاية الحكومية، وخفض البطالة إلى 7 في المائة في أفق 2031، مع رفع معدل نشاط النساء إلى 21.2 في المائة، وتقليص عدد الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل بنسبة 50 في المائة على الأقل.

لكن الحسابات تكشف مفارقة: هدف المليون منصب يتوزع على خمسة مصادر، منها 250 ألف منصب صافٍ في الصناعة، و360 ألف مرتبط بكأس العالم 2030. ولبلوغ هذا الهدف، يجب إحداث نحو 200 ألف منصب سنوياً، في مقابل متوسط صافٍ لم يتجاوز 23.5 ألف منصب خلال الفترة 2022-2025.

ويشدد التقرير على ضرورة التمييز بين مناصب الشغل الصافية والمستفيدين من برامج التكوين والتجارب المهنية، وقياس استمرارية فرص العمل وجودتها، ومدى انتقال المستفيدين فعلياً إلى سوق الشغل.

وفيما يخص قطاع ترحيل الخدمات، فإن احتساب 270 ألف منصب يستدعي مراعاة التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على هذا النشاط، خاصة أن برنامجاً للبنك الدولي يستهدف إحداث 30 ألف منصب صافٍ في القطاع نفسه خلال الأفق الزمني ذاته.

النمو والدعم الاجتماعي: معادلة صعبة

التقرير قارن بين هدف الحكومة تحقيق متوسط نمو اقتصادي بنسبة 5 في المائة خلال 2027-2031، وتوقعات بنك المغرب التي رجحت نمواً بنسبة 2.9 في المائة سنة 2027. بلوغ الهدف الحكومي يستلزم تسارعاً كبيراً في النمو خلال السنوات اللاحقة، بالتوازي مع تمويل الالتزامات الاجتماعية والحفاظ على التوازنات المالية.

لكن المفارقة الأكبر: البرنامج يتضمن التزامات اجتماعية ثقيلة، منها رفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم، والحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم، إلى جانب أهداف في الصحة والتعليم والسكن. ومع ذلك، لا يقدم البرنامج كلفة إجمالية لهذه الالتزامات ولا جدولاً شاملاً لمصادر تمويلها، ما يجعل تقييم أثرها على المالية العمومية ضرباً من المستحيل.

الخلاصة: من التعاقد إلى الاختبار

التقرير لا يهاجم البرنامج، بل يضعه أمام اختبار الواقع. فما فائدة 74 هدفاً كمياً إذا كان 40 منها بلا أجل؟ وما جدوى وعود بمليون منصب إذا كان المتوسط الحالي لا يتجاوز 23 ألفاً سنوياً؟ وكيف يمكن التوفيق بين طموح 5 في المائة نمواً وتوقعات لا تتجاوز 2.9 في المائة؟

هذه الأسئلة، وغيرها، تجعل من "الانتقال من التعاقد إلى التنفيذ" ليس مجرد عنوان لتقرير، بل اختباراً حقيقياً لمصداقية البرنامج الحكومي نفسه.