مدريد ترفع صوت سبتة: آلاف في الشارع يطالبون بمحاسبة الحكومة
مدريد لم تكن يوم الأحد مدينة إسبانية كبرى فحسب، بل أصبحت منصة لصوت قادم من الضفة الأخرى. آلاف المشاركين، من سبتة ومن مقاطعات إسبانية متعددة، خرجوا في مسيرة نظمتها "نساء سبتة"، رفضاً للوضع الذي تعيشه المدينة منذ الأزمة المهاجرة التي انطلقت في 30 يوليوز الماضي. المسيرة انطلقت من غلوريتا كارلوس الخامس قرب محطة أتوتشا، وعبرت شوارع العاصمة حتى ساحة الكورتيس، وسط إقبال فاق كل التوقعات، حيث نقلت حافلات وسيارات خاصة سبتيين، وانضم مواطنون من محافظات أخرى للتعبير عن تضامنهم. وقالت مكسي لاكاسا، إحدى المبادرات بالتحرك، إن هذا الحضور تجاوز بمراحل كل تقديرات المنظمات، وأثبت أن ما يجري في سبتة لم يعد قضية محلية، بل ملفاً يمس إسبانيا برمتها.
وذروة التأثر جاءت عند نهاية المسيرة، حين اجتمع المشاركون أمام المنصة المخصصة للختام، حيث عرضت شاشة فيديو يستحضر رمزاً من هوية سبتة: التعايش بين الثقافات الأربع، وهو مشهد قوبل بتصفيق حار. لكن المزاج انقلب حين انتقل العرض إلى مشاهد الدخول الجماعي للمهاجرين في 30 يوليوز، إذ انطلقت صيحات استنكار، ثم شعارات "تحيا سبتة" وهتافات جديدة، في واحدة من أكثر لحظات التجمع حدة.

بعد العرض، صعدت نساء سبتيات إلى المنصة ليضعن صوتاً على ما يعشن، إذ روت أمهات وبنات وزوجات مهنيين في قطاعات عمومية معاناتهن مع انعدام الأمن، وصعوبة ارتياد الفضاءات العامة، والخوف على سلامة أسرهن. إحداهن اعترفت بمرارة: "يؤلمني أن أقول لأطفالي إنهم لا يستطيعون الخروج للعب لأنني خائفة"، وطالبت بمدينة تحمي أطفالها دون أن تحرمهم طفولتهم. وأخرى كشفت أنها غيّرت طريقة لباسها وعاداتها اليومية بسبب الشعور بانعدام الأمان، وأنها توقفت عن حمل ميدالية عائلية خوفاً من حادث، فيما تحدثت شهادات أخرى عن المسنين الذين قللوا خروجهم وتجنبوا أماكن معينة، وعن حالة الحدائق العمومية والشواطئ والفضاءات المشتركة، ومشاكل النظافة والتعايش في الأحياء، وعن أطفال فقدوا أنشطة واحتفالات صيفية اعتادوا عليها.
وكان قطاع الصحة حاضراً بقوة في الشهادات، حيث عبّرت مشاركات عن قلقهن من أي طارئ طبي، ونددن بالضغط الذي يتحمله مهنيو المستشفى الجامعي بسبتة وخدمات الإسعاف، وطالبن بمزيد من الوسائل والموارد لضمان رعاية لائقة للسكان والمهاجرين على حد سواء. كما امتدت الشهادات إلى ظروف عمل الشرطة والحرس المدني والجيش والإطفاء والمسعفين، حيث جرى التنديد بإنهاك الأطر وطول ساعات الخدمة والاعتداءات التي تعرض لها بعض العناصر، مع المطالبة بدعم مؤسساتي أكبر، فيما لم يغب التجار وأصحاب المقاولات الصغيرة عن المشهد، إذ شددت المتدخلات على أن كل متجر يقف خلفه أسر ومناصب شغل وسنوات من الجهد، أصبحت مهددة بالغموض الاقتصادي.
وبعد الشهادات، قرأت المنظمات البيان المركزي، الذي طالب الحكومة الإسبانية والبرلمان والإدارات المختصة بتدابير فورية والتزامات قابلة للتحقق، مع تحديد مهلة 30 يوماً لبدء تنفيذ الحلول. وشملت أبرز المطالب تعزيزاً فورياً للحدود البرية والبحرية بوسائل بشرية ومادية وتكنولوجية، وإشراكاً أكبر للاتحاد الأوروبي في مراقبتها، وإصدار مرسوم قانوني يتضمن تدابير استثنائية لسبتة، إضافة إلى إصلاح قانون الأجانب بما يراعي خصوصيات سبتة ومليلية، وتسريع مساطر الإعادة إلى المغرب لمن تنطبق عليهم شروط الإرجاع أو الطرد قانوناً، مع احترام التقييم الفردي لكل ملف. كما طالبت المنظمات بزيادة الأطر والموارد في الصحة والتعليم والعدالة والأمن، وتعزيز الحامية العسكرية، واستثمارات عمومية جديدة، وإصلاحات ضريبية تحفز النشاط الاقتصادي، والاعتراف بوضع خاص لسبتة ومليلية داخل الاتحاد الأوروبي، بمعاملة قريبة من المناطق الأبعد.
وأكدت المنظمات طابعها السلمي وغير الحزبي والتعددي، مشددة على أنها تجمع أشخاصاً من أيديولوجيات وعقائد وأصول مختلفة، يوحدهم الدفاع عن المدينة، وخاطبت السلطات بالقول: "لا يكفي القول إن سبتة إسبانية، بل يجب تحمل المسؤوليات التي يفرضها هذا القول"، ووجهت نداءً صريحاً: "جئنا إلى هنا لأننا بحاجة إلى مساعدة. اسمعونا، من فضلكم. وتصرفوا".
وبعد قراءة البيان، أخذ الكلمة خوان فيباس، رئيس حكومة سبتة المحلية، الذي رافق المشاركين طوال اليوم وأيد مطالبهم علناً، بعدما كان قد انتقد سابقاً أداء حكومة بيدرو سانشيز، معتبراً أنها لم تستنفر كل الموارد المتاحة لتسريع استعادة الحياة الطبيعية في المدينة. واختُتم اللقاء بأداء نشيد سبتة ثم النشيد الإسباني، في يوم طبعته المشاعر والمطالب، لكن الرسالة الأخيرة كانت واضحة: "نساء سبتة" أعلنت أن التحرك لن يتوقف في مدريد، وإن لم تحدث تقدمات خلال الثلاثين يوماً القادمة، فستواصل الضغط بأشكال جديدة.