كيف نضمن المساحات الضرورية لممارسة العمل الحزبي النظيف ببلادنا؟
قدر الأحزاب السياسية المغربية أنها تسقط كما تسقط الأشجارعندما تعصف بها الرياح الهوجاء في فصل الخريف.هذه الاستعارة المراد بها ليس التقريع وإنما محاولة وضع العربة خلف الحصان؛ آية ذلك أن ما من مناضل حزبي وليس طبقي إلا وتكون جريرته عند دنو موعد الانتخابات منذورة شكلا ومضمونا لعواقب وخيمة في بلد عريق؛ اسمه المغرب بكل جغرافيته وتاريخه. المناضل غير الطبقي يهوى الرحلات الطويلة، كما يهوى المغامرات عندما يتعلق الأمر بإبدال لزن حزبه بلون آخر، كلما دعت الضرورات والمحاذير لذلك. يسقط المناضل غير الطبقي في أول امتحان يقبل على اجتيازه! عندما يواجه تمرينا يتعلق بالديموقراطية وبناء المؤسسات الدستورية التي يفترض فيها أن تسمو سموا إراديا فوق بقية المؤسسات الأخرى، طالما أن الممارسة الديمقراطية تقتضي فتح المنافذ على مصاريعها على العقل السياسي وجوبا، حتى يتمكن الفاعل السياسي من أداء واجبه الوطني المنصوص عليه دستوريا على أحسن وجه، بعيدا عن أي ضغط أو إكراه ذهني؛ يمكن أن يصدرا عن سلطة أو جهاز تنفيذي أو قضائي تابع للدولة العميقة..وبما أن الشيء بالشيئ يذكر كما تقول العرب فإن تمرين الديمقراطية ببلادنا لا يتوقف عند الانتخابات التشريعية أو الجماعية بما لها وما عليها، ولا تغذيه الحملات الحماسية والحمية التي تعلن عنها الأحزاب المتبارية في الاستحقاقات الانتخابية، كما لا يخضع بأي شكل من الأشكال إلى نظام التباري غير المتكافئ بين الفرقاء والفاعلين السياسين؛ بمن في ذلك السلطات العليا التي تمسك بخيوط اللعبة من وراء حجاب ووزارة الداخلية المشرفة على سير العملية الانتخابية من ألفها إلى يائها، دون أن نستثني بطبيعة الحال الأحزاب السياسية المعنية بالانتخابات باعتبارها شريكا بل طرفا معنيا بشكل مباشرفيما يدورمن أدوارووظائف؛ تتقاطع في الغالب مع مصالحها ومصالح قياداتها. هذه الأخيرة(الأحزاب) قبلت وبشكل إرادي الدخول في المعترك السياسي بدون شروط مسبقة؛ أي أنها قبلت بشروط "اللعبة السياسية" التي تصوغ فصولها الظاهرة والخفية الدولة العميقة بصفتها الفاعل السياسي الأول بالمغرب، ومن باب التذكير فإن ما ذهبنا إليه منصوص عليه في الدستور المغربي ولا سيما في نسخته المعدلة الصادرة في 2011، ولا نبني أي سردية من وحي الخيال. نحن إزاء قراءة ترمي إلى رسم صورة تقريبية لواقعينا الحزبي والسياسي في الآن نفسه؛ بحيث لا ينبغي في تقديرنا ربط فشل عمل الأحزاب السياسية بالانتخابات أو بالأحرى بسوء تدبيرها من قبل وزارة الداخلية؛ بل لا بد من استحضار المنظومة السياسية ببلادنا باعتبارها نسقا بنيويا يشتغل بمقتضى القوة القانونية التي يخولها الدستور المغربي للفاعل السياسي بغض النظر عن موقعه وتراتبيته في هرم السلطة ودرجة تأثيره في المجتمع؛ لأن الانخراط الإرادي في العمل السياسي يبقى الخيط الناظم في أي ممارسة حزبية تتوسل بالأدوات التي يوفرها القانون والتشريعات التي صوتت عليها الأحزاب تحت قبة البرلمان! هنا ضرورة طرح السؤال:من يحاسب من في ظل وضعية سياسية وحزبية معقدة؛ تخضع في الغالب لمنطق القوة والنفوذ والمال؟ قراءة سريعة للمشهد الحزبي ولا أقول السياسي؛ تمنحنا حق القول بأن الصورة المثالية التي اصطنعتها بعض المكونات الحزبية ببلادنا لدى الجماهير الشعبية؛ بمن في ذلك المناضلين والعاطفين والأتباع صورة غير واقعية بالمرة؛ بل بعيدة عن واقع الحال الذي يعيش فصوله المواطن المغربي وبشكل تراجيدي أحيانا بحكم غياب ما يثبت لديه ترجمة طموحه وآماله وآمال أبنائه حالا واستقبالا.. من نافلة القول نضيف بأن الانتخابات التشريعية موعد دستوري لا مراء فيه؛ إنما، ونقول هذا تجاوزا يلزمنا جميعا؛ خاصة الأحزاب المتنابذة حاليا والمتنابزة بالألقاب في حملاتها "التشهيرية" الانخراط الفعلي في ممارسة النقد والنقد الذاتي وفق ما تمليه مصلحة الناخب الذي لم يعد يثق في مضامين خطاب الأحزاب السياسية اليمينية واليسارية وله في التجارب السابقة أدلة وعبر ودروس خبرها ميدانيا؛ مما يفسر أن المشاركة السياسية بالنسبة للمواطن المغربي في البوادي والقرى كما في الحواضر والمدن الكبرى لا تشكل له قفزة نوعية؛ تسعفه في تحسين أوضاعه المعيشية والحياتية؛ بل تشكل لحظة تأمل؛ ينظر من خلالها إلى مستقبله ومستقبل أبنائه والأجيال القادمة.