الانتخابات التشريعية 2026 بالمغرب... قراءة في المشهد السياسي وسيناريوهات المرحلة المقبلة
يعتبر النسق السياسي المغربي نسقا قديما وحديثا في الآن نفسه؛ قديم يعتمد على التراث السياسي للدولة العلوية الضاربة في التاريخ وحديثا لأنه يعتمد كذلك النمط السياسي الغربي الحديث الذي ورثناه عن مرحلة الاستعمار. تأتي انتخابات 2026 في ظرفية سياسية واجتماعية دقيقة ومعقدة ، وفي أفق مرحلة وطنية حاسمة تمتد إلى 2031، تتزامن مع رهانات الوحدة الترابية والحكم الذاتي، والاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030، ومواجهة تحديات الغلاء والبطالة والقدرة الشرائية التي تشكو منها كثير من الأسر المغربية. لكن أهمية هذه الانتخابات لا تكمن فقط في معرفة الحزب او الأحزاب الفائزة، وإنما في معرفة ما إذا كانت ستؤدي إلى إعادة بناء الثقة بين الاحزاب و المواطنين ،وإلى تجديد المشهد السياسي ليصبح أكثر حداثة وفاعلية. نعالج هذا الموضوع من خلال التطرق لثلاثة محاور وهي: أولا، أزمة الثقة بين الاحزاب السياسية والمواطنين وتغير المزاج السياسي . وثانيا ، الأحزاب المغربية وأزمة تجديد النخب. وثالثا، السينارهات المحتملة لنتائج الانتخابات التشريعية 2026 . 1- أزمة الثقة بين الأحزاب السياسية والمواطنين وتغير المزاج السياسي. أصبح الغلاء وتراجع القدرة الشرائية والبطالة، وخاصة لدى الشباب، من أهم محددات الاختيار الانتخابي. ويواجه التجمع الوطني للأحرار، باعتباره الحزب الرئيسي في الحكومة الحالية، انتقادات سياسية متزايدة بسبب الحصيلة الاجتماعية والاقتصادية، وخاصة ارتفاع أسعار المنتوجات الفلاحية والغذائية . كما شكل ارتفاع أسعار أضاحي عيد الأضحى قضية سياسية، وحُمّلت الحكومة، وبالأخص حزب الأحرار، مسؤولية سياسية عنها بحكم تسييره لقطاع الفلاحة . في المقابل، برز جيل "z" باعتباره قوة اجتماعية جديدة أقل ارتباطاً بالأحزاب التقليدية وأكثر حضوراً في الفضاء الرقمي والاحتجاجي. كما كشفت موجات الهجرة الأخيرة نحو سبتة ومليلية عن أزمة ثقة لدى جزء من الشباب. هذه الظواهر الثلاث ــ الغلاء، جيل "z" والهجرة - تعكس في جوهرها أزمة ثقة في قدرة السياسة على تقديم حلول مقنعة للمستقبل ,كما يجعل مخاطبة مختلف فئات المجتمع المغربي من طرف بعض الأحزاب ابان فترة الحملة الانتخابية مسالة صعبة بسبب افتقاد عنصر الثقة بين تلك الاحزاب والمواطنين . فالثقة عنصر سابق لكل عملية تواصل وعدم توفرها يخلق تشويشا في هذه الاخيرة ويجعل الخطاب غير مفهوم من طرف المواطنين . ان حبل الثقة بقي دائما ممدودا بين حزب الاستقلال والمواطنين المغاربة منذ فترة الجهاد من اجل نيل الاستقلال، بجانب الملك الراحل محمد الخامس طيب الله ثراه ، الى يومنا هذا. ويرجع ذلك الى تلاثة اعتبارات اساسية: اولا ، لان انجازات وزراء الحزب تبقى ايجابية عموما في القطاعات التي سيروها داخل الحكومة الائتلافية الحالية (التجهيز والماء ، الادماج الاقتصادي والتشغيل ، والنقل واللوجستيك) . وثانيا ، لان البرنامج الانتخابي الجديد الذي اعده الحزب يبقى واقعيا ويجيب عن نبض المجتمع المغربي الأن وهنا. كما ان الالتزامات الخمسة التي يتبناها الحزب بالنسبة للمرحلة التشريعية 2026- 2031 , والتي تتمحور حول: 1) حماية الأسرة ومنظمة القيم 2) حماية القدرة الشرائية ومحاربة الريع والمضاربة 3) صفر تسامح مع الفساد 4) المحافظة على دور المرفق العمومي 5) تعزيز سيادة المغرب ، تجيب عن انتظارات بلادنا ومطالب مختلف فئات المجتمع ومشاكلها الآنية والمستقبلية. ثالثا ، لأننا داخل حزب الاستقلال نعتبر ان القدرة الشرائية للأسر والمواطنين تعتبر مسألة محورية ومستعجلة ويجب اعطاءها الاولوية في المعالجة والإنجاز في بداية المرحلة التشريعية المقبلة ، وذلك لما لها من ارتباط وثيق بالقوت اليومي لفئات واسعة من الطبقات الهشة اقتصاديا واجتماعيا ببلادنا ولان تحسينها والمحافظة عليها في مستويات معقولة تضمن لهاته الفئات الهشة العيش الكريم والاطمئنان على مستقبلهم ومستقبل ذويهم كذلك. 2-الأحزاب السياسية وأزمة تجديد النخب. من اجل ضمان بقاءه وسيرورته، لم يعمد النسق السياسي المغربي الى الحل المباشر والذي يتمثل في خلق وتمرير السلطة لنخب جديدة قادرة على تسيير الاحزاب السياسية ومعالجة المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعرفها البلاد في كل مرحلة من مراحل نموها وتطورها ، ولكنه اعتمد على فكرة النقاء الحزبي وهي فكرة نقلها من مجال الطبيعة ، اي من فكرة النقاء الطبيعي التي تقول بنقاء الانواع الطبيعية!. ولهذا عمدت الدولة في كل حقبة على المساعدة في خلق حزب جديد ( وغير متسخ سياسيا!!) ، إضافة الى الاحزاب الوطنية المتواجدة في الساحة وبعض الاحزاب القليلة التي فرضها المرحلة ، والتشجيع (ولو بطريقة غير مباشرة ) على الترحال السياسي للاعيان من الاحزاب القديمة الى الحزب الجديد الدي يتصدر الانتخابات وتعهد له بالتالي مهمة تسيير الحكومة . وفي كل مرحلة كانت تظهر عادة شخصية تعهد لها بخلق ذلك الحزب الجديد او تسييره او الانتقال اليه لتسييره . كما كان يعهد بين الفينة والأخرى الى حكومة تقنوقراطية مهمة تسيير الحكومة لتنفيذ بعض الاصلاحات الضرورة او انجاز بغض المشاريع ذات اولية بالنسبة للدولة. تواجه الأحزاب المغربية، من الاستقلال والأحرار والأصالة والمعاصرة إلى الاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية والعدالة والتنمية والاتحاد الدستوري ،والاحزاب اليسارية كذلك ، تحدياً مشتركاً يتمثل في تجديد النخب والخطاب وأساليب العمل. فاستمرار الاعتماد على الأعيان، وظاهرة الترحال السياسي، وضعف استقطاب الشباب والكفاءات، كلها عوامل ساهمت في اتساع الفجوة بين الأحزاب والمجتمع وفي تفاقم للمشاكل السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنفسية ببلادنا. وفي هذا السياق، يدخل حزب الاستقلال الانتخابات برصيد تاريخي وتنظيمي وخبرة سياسية وعلمية لأمينه العام الدكتور نزار بركة ، وبأطر لها تجربة في تدبير الشأن العام، فضلاً عن حصيلة ايجابية لوزرائه في الحكومة الحالية وامتداده العميق في الأقاليم الصحراوية المغربية. أما حزب الأصالة والمعاصرة فيعزز حضوره باستقطاب للاعيان وكفاءات ووجوه ذات إشعاع وطني، وفي مقدمتها فوزي لقجع، الذي يرتبط اسمه بتسيير ميزانية الدولة وبالنجاحات الأخيرة لكرة القدم المغربية وبالاستعداد لتنظيم مونديال 2030. ويواجه حزب العدالة والتنمية بدوره تحدي العودة، في ظل استمرار الجدل حول بعض مواقفه السابقة، وخاصة ملف التطبيع وتحرير سوق المحروقات. 3- السيناريوهات المحتملة لنتائج الانتخابات التشريعية 2026 قبل الخوض في الحديث عن السيناريوهات المحتملة للانتخابات التشريعية 2026 ، سنعمد اولا الى وضع بعض الفرضيات التي نعتبرها ضرورية والتي سنستقيها من الواقع السياسي التي تعيشه بلادنا في هذه المرحلة: أ- الفرضيات - الفرضية الأولى المتعلقة بتطور النموذج السياسي المغربي : سيحافظ النموذج السياسي المغربي اعتماده على الاعيان لضمان استقراره ، لكن سيتم مع ذلك دمج بعض الوجوه الجديدة وخاصة من الشباب بعد المشاكل التي أحدثها خرجات جيل ز والهجرة الكبيرة التي شارك فيها كثير من الشباب وفئات من مختلف الاعمار ايضا الى المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية في الآونة الأخيرة. -الفرضية الثانية المتعلقة بالعقاب السياسي للحزب المترأس للائتلاف الحكومي الحالي : وهنا تجب الاشارة الى ان حزب الأحرار لربما سيطاله نوع من العقاب السياسي ليس لأنه يترأس الحكومة الحالية المكونة من حزب الاستقلال وحزب الأصالة والمعاصرة فحسب ، ولكن بسبب قضايا ترتبط بتضارب المصالح ولارتباط وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، التي يديرها هذا الحزب ، بارتفاع كبير في المواد الغذائية ( خضر وفواكه ولحوم ، الخ..) وارتفاع مهول في اثمنة أضحية العيد في السنوات الأخيرة ، مما عاق الأسر في القيام بشعائر هذا العيد (الكبير) ، الذي يكتسي أهمية روحية كبيرة بالنسبة لعموم المغاربة. الفرضية الثالثة المتعلقة بعدم عودة حزب العدالة والتنمية الى دفة الحكم : على عكس مما يعتقد بعض من المفكرين داخل هذا الحرب والذين يقولون بوجود تقاطب بين حزبين مهمين في المغرب وهما حزب العدالة والتنمية و الأحرار كما لو اننا في الولايات المتحدة الامريكية او المملكة المتحدة ، متناسين بذلك ان الخريطة السياسية المغربية مشردمة وتضم اكثر من تلاتين حزبا سياسيا !! في المرحلة الراهنة لن يعود حزب العدالة والتنمية للمشاركة في الحكومة الآتية لأنه لن يحصل على المقاعد الضرورية التي ستخول له ذلك وهذا راجع الى مغادرته لكثير من مناضليه والمتعاطفين معه ، حسب وجهة نظرنا ، بسبب موافقته على التطبيع وتحريره لسلسلة المحروقات . هناك سيناريوهان اساسيان ومختلفان تتحكمان في نتائج الانتخابات التشريعية التي ستعقد في 23 شتنبر 2026 ، وهما : السيناريو الأول: تصدر حزب الاستقلال الانتخابات يتصدر حزب الاستقلال الانتخابات، مستفيداً من تاريخه، وحكمة امينه العام نزار بركة وخبرة مكتبه السياسي ونخبه وأطره، وحصيلته الحكومية الايجابية ، وحضوره الوطني وادماجه في السياسة لنخب لفئات مهمة من الشباب عبر " ميثاق الشباب 2026", وللامتدادات العميقة للحزب في الأقاليم الصحراوية المغربية والتي سيتم ارساء مسار الحكم الذاتي بها في هذه المرحلة تبعا للقانون 2797 لسنة 2025 للأمم المتحدة ، واعتماده كذلك على التكنولوجيا الجديدة للإعلام والتواصل ولتقنيات الذكاء الاصطناعي في تدبير تسيره العادي وحملته الانتخابية. يفترض هذا السيناريو تراجع حزب التجمع الوطني للأحرار نتيجة الانتقادات المرتبطة بالغلاء وبخاصة في المواد الغذائية واللحوم وارتفاع في اثمنة المحروقات وتضارب المصالح . ويحصل العدالة والتنمية على تمثيلية برلمانية أفضل من 2021، لكنها لا تمكنه من قيادة الحكومة أو امكانية المشاركة فيها حسب وجهة نظرنا. وقد يقود ذلك إلى تشكيل حكومة تضم الاستقلال والأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية.الخ.. السيناريو الثاني: تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات يقوم هذا السيناريو على تمكن الأصالة والمعاصرة من احتلال المرتبة الأولى، مستفيداً من حضوره الحكومي ومن استقطاب شخصيات ذات إشعاع وطني ومن ترحال للاعيان ايضا . ويشكل التحاق فوزي لقجع بالحزب ورقة مهمة، بالنظر إلى شعبيته المرتبطة بتسييره لميزانية الدولة وللنتائج المهمة التي حصل عليها بلدنا في كرة القدم بحكم موقعه في تدبير الجامعة المغربية لكرة القدم والاستعدادات المرتبطة بمونديال 2030. وفي هذه الحالة يمكن أن يقود الأصالة والمعاصرة مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة بمشاركة حزب الاستقلال الذي سيحتل المرتبة الثانية ، ووفقاً للتوازنات التي ستفرزها الانتخابات بالنسبة للأحزاب الاخرى لكن من دون مشاركة حزب الاحرار وحزب العدالة والتنمية . خلاصة واستنتاج اذا كان الانسان المغربي انسان مؤمن بالقضاء خيره وشره ، الشيء الذي جعله يتقبل عدة سنوات عجاف متتالية وتأثيرها على حياته المادية والنفسية ، فإنه لا يقبل بتاتا ان يتلاعب المتلاعبون والوسطاء الفاسدون والفرا قشية بقوته اليومي وحقه في حياة كريمة. وتبعا لهذا فان انتخابات 2026 لن تكون مجرد سباق على المقاعد، بل اختبار حقيقي لقدرة الأحزاب على استعادة ثقة المواطنين وتجديد نخبها أيضا. ان تراجع ثقة المواطنين في السياسة الى حدود متدنية جدا والذي يعود إلى غلاء المواد الغذائية الأساسية (الخضر والفواكه واللحوم الخ ) والى تدهور في القطاعات العمومية (المدرسة و المستشفيات، والخدمات العمومية ... ) والى احتجاجات جيل ز والهجرة الكبرى الى مدينة سبتة ومليلية ، تفرض على الحكومة المقبلة أن تقدم في مدى قريب أجوبة ملموسة حول التشغيل وتدني الاجور والقدرة الشرائية وضعف الخدمات الاجتماعية وتكافئ الفرص والعناية اكثر بالشباب والمرأة والمتقاعدون والجالية المغربية بالخارج وذوي الاحتياجات الخاصة كما فعل حزب الاستقلال في برنامجه الانتخابي لتشريعيات 2026 . ويبقى السؤال الحاسم: هل ستكون انتخابات 2026 محطة لإعادة إنتاج المشهد السياسي، أم بداية لتجديده وادماج اكبر للنخب الجديدة ذات الكفاءات العالية في مختلف المجالات وبداية لإدماج الشباب في العمل السياسي وللمرأة كذلك ، التي تشكل نصف المجتمع ،ولإرساء لدعائم الدولة الاجتماعية الحقيقية مع تقوية للدعم المباشر للأسر الهشة والعمل على إنصاف المتقاعدين والنساء الأرامل وذوي الاحتياجات الخاصة ؟ فالمرحلة 2026–2031 تحتاج من بلادنا بالضرورة إلى احداث التنمية المندمجة المستدامة على أرض الواقع مع تقليص في الفوارق المجالية والطبقية وتكريس لديمقراطية الإنجاز والمحاسبة حتى نعيد للعمل السياسي ألقه وفاعليته وقربه من انشغالات وتطلعات المواطنين في العيش الكريم داخل بلدهم المغرب .