الرئيسية | اقلام حرة | الشيخ عبد الغني العمري

الشيخ عبد الغني العمري

لقد مرت طريقتنا بمراحل، كانت تتخلى فيها -المرة بعد الأخرى- عن بعض المنتسبين؛ حتى ظن من لا علم له أن الأمر يعود إلى غلظة طبع من الشيخ، أو إلى قسوة لا مسوغ لها من الشرع. ونحن إزاء هذا الأمر، سنبيّن منهاجنا في التربية، ليعلمه من يريد أن يعلمه. 1. نحن نعيش في مرحلة زمانية، قد اجتمعت فيها كل رواسب الماضي من تاريخ الأمة، والتي لا تخلو من مخالفات للأصول، تُلبس من قِبل المغرضين لبوس الأخلاق الشرعية زورا. ولقد زاد من استفحال الأمر، وقوع الفقهاء ومرشدي الجماعات الدينية في انحرافات، تهدم الدين هدما. ومن أكبر هذه الانحرافات، تقديم رضى الفقيه أو المرشد على رضى الله. وهذا أمر لا يعلمه الأتباع دائما، لقلة علمهم بترتيب الأحكام الشرعية، ولعدم علمهم بظهور الأهواء في صور الأحكام في كثير من الأحيان. ويكفي أن يعلم العبد أن علم باب الأهواء، هو من العلوم الخاصة، التي لا خبر للفقهاء عنها. 2. إن العامة من المنتسبين إلى الطريقة، قد كانوا قبل ذلك أتباعا لفقهاء أو مرشدي جماعات. وهم عند تجربتهم الأولى، قد اعتادوا معاملة الهوى، التي يُرضون فيها المتبوع ويرضيهم. وهذا عندنا، من التواطؤ على الاستهزاء بالدين. ونحن إنما نريد أن نُرجع الناس إلى صحيح معاملة الله، لا أن ندخل معهم فيما اعتادوه مما ذكرنا. 3. نحن لا نحرص على الأشخاص، كما تحرص الجماعات الحركية، التي تهدف إلى تكثير أعداد منتسبيها، لمغالبة خصومها؛ لأن الخصومة عندنا تبدأ مع النفس، لا مع غيرها. لذلك فإننا نفصل أي واحد نراه مخالفا لمنهاجنا، من دون تردد؛ إذا رأيناه مصرا على المخالفة. ولا فرق عندنا في هذا، بين من هو معظم عند الناس بحكم العادة والعرف، وبين غيره من المنتسبين. ولو دعا الأمر إلى أن ينفض عنا كل الناس، فإن ذلك لن يجعلنا نغير منهاجنا. وأما المفصولون من الطريقة، فإننا لا نقصد إلى التقليل من قيمتهم، أو اتهامهم في ذمتهم؛ ولكننا في مقابل ذلك، نحتفظ بحقنا في تحكيم معاييرنا، لا المعايير الشائعة المخلوطة والمغلوطة. 4. نحن بفتح باب التربية في طريقتنا، لا نريد أن نكون مؤسسة تعيش على حساب الناس، وتتاجر في آمالهم باستغلال الدين؛ ولكننا نتغيّى تخريج الرجال الذين يُنتظر منهم الاضطلاع بمهام المرحلة الزمانية التي نمر بها، وإن أوذينا في سبيل ذلك. والدين عندنا -بحمد الله- مخدوم لا خادم؛ والصراع العالمي الدائر بين قوى الخير وقوى الشر، لا يسمح الآن بموافقة بعض الأهواء الشخصية، التي إما ستثبط مشروعنا التربوي، وإما ستُبطئه. وهذا لا يعني أننا لا نرفق بالضعفاء الذين يعانون من مخلفات التربية الجاهلية، ما داموا مقرين بضعفهم، وغير مخادعين ولا متهاونين. 5. إننا لا نعتمد في تقييم الأفراد، إلا ما يتعلق بالصدق وطاعة الله (التقوى)؛ وكل ما سوى ذلك من ألقاب ومراتب ألفها الناس، مما هو ناتج عن التربية الهجينة أو الدجالية، فهو عندنا والعدم سواء. لكن من جمع بين الأمرين، فهو لا شك قد حاز الفضلين، وهو عندنا محمود. 6. إن مواجهة حزب الشيطان (بالمعنى التربوي لا السياسي)، لا بد منها. ومن كان يريد أن يكون معنا، وألا يدخل في هذه المواجهة، فليس له إلا سبيل واحد؛ وهو أن يبقى في الأطراف، ولا يتدخل فيما لا يعنيه. وهذا هو ما نسميه التبرك في طريقتنا. أما إن أخل بما نذكر، وأراد أن يطيع هواه على حساب التوجه العام للطريقة، فإننا سنضطر إلى فصله، كما فصلنا من قبله. 7. إن على المريد أن يوطن نفسه على تلقي التربية، لا على أن يُربي غيره؛ لأن فاقد الشيء لا يؤتيه. ومهما بلغ العبد في زعمه من علم، فإن العلم بالنفس وأحوالها يبقى من وراء علمه؛ فلا يغتر أحد بظاهر وعادة. وإن الإخلال بهذا الشرط هو تناقض بيّن، يدل على نقص العقل قبل نقص الدين. فعلى إخواننا التنبه إلى هذا، ليكونوا مؤهلين للترقي وتحصيل اليقين. إننا نوضح أصول عملنا مرة أخرى، حتى لا يظن ظان أنه يمكن أن يُفلح في النيل منا، بصرفنا عن وجهتنا؛ أو أن يخترقنا بإدخال من ليس منا بين صفوفنا، ليبلغ مراده. وإن القياس على ما يتوهمه الناس من الدين، أو ما يرسخه فقهاء الزمان في الأذهان، لا يعنينا، إلا بالقدر الذي نراه صوابا ومساحة مشتركة. وهذا يعني أننا مستعدون دائما لمحاورة من يريد الوصول إلى الحق وإلى الحقيقة، باعتماد الشرع والعقل، إن كان المحاور من أهلهما. إن الضعف الإيماني الشديد، الذي تعاني منه الأمة، لا يمكن أن يكون مسوغا للاستمرار في الاستهزاء بالدين، من قِبل المسلمين أنفسهم. وإننا مصممون على العودة بالدين إلى مكانته الأصلية من حياة الناس، بقدر ما نستطيع؛ وهذا يعني حتما، عدم الدخول في التوظيفات الرسمية وغير الرسمية للدين، مهما قال عنا أصحابها. وهذا يعني أننا لن نلتزم إلا بما ألزمنا الله ورسوله. وإن الأمر في الحقيقة، أعظم من أن يحتمل المساومة، أو أن يخضع لمنطق الموافقة على المنافع العاجلة. ورحم الله امرءا وعى عنا، وأحسن التبليغ... (كُتب هذا المقال بعد مضي 1048 يوم من الاعتصام المفتوح للشيخ وأسرته، بسبب اضطهاد الحكومة وأجهزتها الذي ما زال مستمرا إلى الآن).