سقوط أقنعة الابتزاز: سبتة السليبة ورهان الاتجار بملف القاصرين
لم تكن التصريحات والتحركات الأخيرة ل"مسؤولي" سبتة السليبة مفاجئة للمتابع الدقيق لأساليب اليمين المحلي في التغطية على فشله البنيوي وحوكمته العاجزة، بل جاءت لتؤكد مرة أخرى تحول ملف الهجرة والقاصرين غير المصحوبين إلى وسيلة ابتزاز سياسي ومالي يشهره خوان بيباس في وجه مدريد. وأصبحت حيل خوان بيباس محاولة مكشوفة لاستدرار المزيد من أموال دافعي الضرائب والضغط للحصول على امتيازات مالية إضافية تحت شماعة "الأزمة الإنسانية". و جاء الرد الحاسم من الحكومة المركزية الإسبانية ليضع حدا لشعبوية بيباس ومزايداته، بعد رفضها القاطع والمبدئي لطلبه القاضي بحسم جميع "ملفات الطرد والترحيل وطلبات اللجوء " في "فترة تعجيزية لا تتعدى شهرا واحدا". لقد شكل هذا الرد ضربة موجعة لمسؤولي سبتة السليبة، بعدما أوضحت مدريد أن التشريعات الإسبانية والمواثيق الأوروبية والدولية لا تبنى على الرغبات الإيدولوجية أو الحسابات الانتخابية الضيقة، بل تفرض تقييما فرديا وشاملا لكل حالة على حدة. إن تحديد آجال مجملة وسريعة بطريقة اعتباطية -كما يطالب بيباس- يعني صراحة إسقاط الضمانات القانونية الأساسية ودوس حقوق المهاجرين المكفولة دوليا، وهو ما رفضت مدريد التورط فيه لتغطية عجز الإدارة المحلية. ولأن الأرقام والحقائق تعري الخطاب الفضفاض والادعاءات الباطلة، فقد أسقطت مدريد الورقة الأخيرة من يد مسؤولي سبتة السليبة، موضحة عبر الحقائق الساطعة ،أن كافة المغادرين من سبتة السليبة هم من الفئات البالغة، مما يفند الأكاذيب المروجة حول حجم الأزمة المتعلقة بالقاصرين . وبخصوص ملف القاصرين المعقد، كشفت مدريد أنه لم يتم إعادة أي قاصر غير مصحوب، نظرا للالتزامات المساطرية المعقدة والمرتبطة بحماية حقوق الطفل وضمانات التجميع العائلي. وهي مساطر قانونية دولية لا يمكن تجاوزها بقفزات شعبوية، مؤكدة أن المسؤولية الكاملة في إيجاد صيغ الرعاية والتسيير تقع مباشرة على عاتق "مسؤولي" سبتة المحليين، عكس ما يحاولون إيهام الرأي العام به عبر إلقاء اللائم على جهات أخرى. و لم تتوقف تعرية ادعاءات حكومة خوان بيباس عند الجانب القانوني والإجرائي فقط، بل امتدت لتكشف حجم الدعم المالي الهائل الذي حصلت عليه المدينة السليبة. فقد ذكّرت الحكومة الإسبانية بأنها ضخت دعما ماليا استثنائيا ل"حكومة" سبتة السليبة لمواجهة تكاليف رعاية القاصرين بلغت قيمته 88 مليون يورو. هذا الرقم الضخم يطرح أسئلة حارقة ومباشرة حول طرق تدبير وحكامة هذا الغلاف المالي الهائل: أين ذهبت هذه الملايين؟ ولماذا يستمر الصراخ والتباكي رغم الدعم المالي السخي؟.... إن الإجابة تبدو واضحة: لقد اعتادت "السلطات المحلية " في الثغر المحتل جعل ملف الهجرة والقاصرين "دجاجة تبيض ذهبا"، وموردا لانتزاع التمويلات الاستثنائية، بدل الاعتماد على حلول هيكلية وإدارة عقلانية ومسؤولة. والمشهد اليوم في سبتة السليبة يكشف عن ازدواجية واضحة، فبينما تحاول السلطات المحلية تغطية هشاشة تسييرها عبر اختلاق أزمات وركوب موجة التهييج الإعلامي والابتزاز المالي، يقف القانون والواقع بالمرصاد ليفند هذه الافتراءات. و صفعة مدريد الأخيرة لخوان بيباس تحمل أكثر من معنى وهي ليست مجرد خلاف إداري حول الآجال أو التمويل، بل هي إعلان عن نفاد صبر المركز تجاه أساليب الابتزاز، وتأكيد على أن الملفات الإنسانية والقانونية المعقدة لا تدار بالاستعراضات السياسية والأكاذيب المكشوفة.