رهان سبتة الأجوف: كيف يستبدل اليمين الإسباني الأزمات المعيشية بمراهقات سياسية ضد المغرب؟
تتكرر في الأدبيات السياسية لليمين الإسباني ظاهرة الهروب من المأزق الاجتماعي الداخلي نحو إحياء التوترات الإقليمية والمزايدات السيادية كلما اقترب موعد استحقاق انتخابي مفصلي. وفي أفق انتخابات 29 نوفمبر المبكرة بإسبانيا ، ينتهج الحزب الشعبي وحزب "فوكس" خطة تعبوية تعتمد تحويل مدينة سبتة السليبة إلى محور استراتيجي لمعركته الانتخابية ،بل و يعتبران المكان الذي "يُحسم فيه مصير إسبانيا" (El destino de España). إن هذا التجييش اليميني لورقة سبتة السليبة لا يعكس قراءة استراتيجية حصيفة بقدر ما يفصح عن تعنت، وسوء تقدير، وقصر نظر سياسي حاد. فهو يسعى إلى تحقيق ربح سياسي موسمي على حساب استقرار علاقة شائكة وحساسة مع المملكة المغربية، في وقت تتراكم فيه المشاكل و تنسى الحقوق الأساسية للمواطن الإسباني، وعلى رأسها الأزمة المعيشية المستفحلة وملف السكن الحارق. و من خلال وضع سبتة السليبة في قلب المانشيتات الانتخابية ليوم 29 نوفمبر، يحاول اليمين الإسباني فرض "أجندة سيادية سياسية" تقوم على الاستقطاب القومي وتأليب الرأي العام، وذلك عبر تصوير الشكوك حول الهجرة وتعاون المغرب وكأنها الرهان المباشر للسيادة الوطنية الإسبانية. وانتهاجا لسياسية الهروب الى الأمام و في الوقت الذي تعاني فيه الطبقات المتوسطة والهشة في إسبانيا من ارتفاع أسعار العقار والغلاء المفرط، صوت الحزب الشعبي وزميله في اليمين "فوكس" ضد مشاريع قوانين ودعامات حماية السكن وإلغاء حمايات الإخلاء، مفضلا تبني الخطاب القومي التفريغي. كما أن إعلان كون "مصير إسبانيا" يمر حتما عبر سبتة السليبة ليس سوى قفز على الاستحقاقات الحقيقية للمواطن الإسباني، وتهميش للقضايا التي تمس معيشته اليومية لصالح استعراض عضلات انتخابية تستهدف إرضاء القواعد المتطرفة . و تكتمل صورة التناقض السياسي لدى الحزب الشعبي وحليفه في التعاطي مع ملفات الشارع الإسباني عموما: أولا، الاتهامات المتبادلة وتخويف الشارع: يحذر الحزب الشعبي وحليفه مما يسميه "حملات الكراهية، والتصعيد، والتأليب" الصادرة عن أطراف اليسار وحزب Más Madrid، مستشهدا بعبارات الاحتجاج الحادة التي تزامنت مع حالة الغضب الشديد عقب حادثة إخلاء ووفاة المواطنة الإسبانية "ماريكارمن". ثانيا، التنصل من سوء إدارة الأزمات: بدلا من تقديم إجابات هيكلية لأزمة السكن والإخلاءات القسرية، يكتفي اليمين بإلقاء اللائمة على ائتلاف اليسار متسربلا بموقف "الضحية"، ومستغلا الاحتقان الاجتماعي لتأكيد أطروحته بأن الشارع الإسباني انزلق إلى المواجهة والمناهضة، في حين أن السياسات العقارية والامتناع عن تشديد الحماية الاجتماعية كانت سببا رئيسا في هذه الأزمات. ومقابل ذلك وأمام استفزازات اليمين الإسباني، وجهت المملكة المغربية رسالة ثابتة مفادها أن الرباط لا تكترث للشعارات الفارغة أمام هذه الاستفزازات الموسمية، وتقدم رؤية استراتيجية تستحضر الثوابت في العلاقات بين البلدين .. والمغرب ، بقيادة رشيدة من صاحب الجلالة الملك محمد السادس، لا يبني علاقاته الاستراتيجية على زعيق الحملات الانتخابية الإسبانية أو الشعارات الفارغة لليمين، بل على قواعد الاحترام المتبادل، والالتزام بالاتفاقيات التاريخية، والمصالح المشتركة الواضحة. و بتعنته وتقديراته القاصرة، يغامر الحزب الشعبي وحليفه اليميني المتطرف بإلحاق الضرر بمسار شراكته مع الرباط—وهي الشراكة التي تعد صمام أمان رئيسي لإسبانيا وأوروبا في مجالات أمنية، واقتصادية، وإقليمية، ومفصلية في تنظيم الهجرة. والتفريط في هذه الثقة الاستراتيجية من أجل ربح أصوات انتخابية عابرة يعكس استهتارا حقيقيا بالمصالح العليا لإسبانيا ذاتها. و تثبت هذه التحركات غير محسوبة العواقب أن اليمين الإسباني، في سعيه المحموم للوصول إلى السلطة في انتخابات 29 نوفمبر، يفضل اختراع الأعداء الخارجيين وتضخيم الخطاب القومي في سبتة السليبة على حساب إنقاذ المواطن من الأزمات المعيشية وإعادة هيكلة قطاع السكن. كما أن مراهنة الحزب الشعبي وحليفه على ورقة ابتزاز المغرب واستعراض "السيادة الموسمية" لن تمنحه حلولا واقعية لمشاكل الداخل الإسباني ،و إنما تضع علامة استفهام كبرى حول مدى نضج النخبة الحزبية التي تضحي بشريك إقليمي موثوق كالمغرب في سبيل مكاسب سياسية عابرة لا تسمن ولا تغني من جوع.