دار البومبة ..معلمة "السيادة الدفاعية" التي أُهمِلت ثم أُهلَت الى أن أُذِلت
في الحقيقة ،خَشيْت أن أحْشُر نفسي في سجال "ثقافي/عاطفي" بنكهة سياسية جامحة تُتَقاذف فيه المشاتمة والسباب والضربات الفوقية والتحتية،وكل واحد من أطراف السجال يُريد أن يُقنِع عشاق تطوان عن كيف السبيل لإنقاذ "دار البومبة" ،معلمة "السيادة الدفاعية " ، من التهميش وتأهيلها لتكون رافعة من رافعات التنشيط الثقافي ودعم السياحة المحلية ..ومن كان السبب في تهميشها و"داس" كرامتها في الماضي وفي الحاضر ومن سَمِح بإهانتها مجددا . قدر "دار البومبة " قادها الى فترات زمنية زاهية ، وشكلت آنذاك مع مثيلاتها ك"دار الماكينة"(دار السلاح) في فاس ومصنع الرصاص في مراكش ، رمز القدرة الدفاعية النوعية وسعي المغرب لتوطين الصناعة العسكرية في فترات تاريخية حاسمة ،وهي أيضا الشاهدة على التحولات الجيوسياسية عاشها المغرب في وقت تضخمت فيه أطماع الأعداء ..كما قادها قدرها الى فترات خافتة وباهتة حين تم استعمال فضائها في غير محله و صدحت فيها حناجر الكشافة في فترة معينة قبل أن تُصبح سقْفا لمن لا مأوى له وخِربة يندى لها الجبين . و أبَت بعد ذلك العناية الملكية ،في إطار مشروع تثمين الموروث الحضاري الرائد و البرنامج التكميلي لتأهيل المدينة العتيقة لتطوان ،إلا أن تُعيد لهذه المعلمة "كرامتها" وكرامة الحمامة البيضاء ،المصنفة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ سنة 1997 لتميزها العمراني والحضاري ،لتنال من الاهتمام ما تستحقه تحت إشراف وكالة تنمية أقاليم الشمال التي يديرها باقتدار ابن مدينة تطوان البار الصديق منير البيوسفي ..وهو ما أعاد الأمل لساكنة ولعشاق تطوان لتنال ما تستحقه من اهتمام وعناية وإعادة الحياة إلى معلمة مرجعية بطريقة تُبرز قيمتها التاريخية وتعطي للمدينة الصورة التاريخية التي تستحقها عن جدارة . وعودة الى القانون المغربي رقم 22.80 المتعلق بالمحافظة على المباني التاريخية، والقانون رقم 33.22 المتعلق بحماية التراث الثقافي المادي وغير المادي، فإن هذا الأخير يفرض إجراءات صارمة لتصنيف المعالم التاريخية وضمان صونها من أي "تغيير يمس قيمتها الأصلية"..كما ينص القانون أيضا على ضرورة الحصول على ترخيص خاص لأي تغيير أو ترميم، مع "توجيه استغلال هذه المآثر بما يحافظ على وظيفتها التاريخية والثقافية"،وليس لشيئ آخر ،حسب فهمي المتواضع . و من تم ، فإن المحافظة على موروث من وزن وقيمة "دار البومبة" المتفردة ،لا يقوم على رغبة الهيئات المنتخبة وتصورها الخاص بقدر ما يجب أن يؤطر وفق التشريع الضابط ووفق نسق تأهيلي عام يسترعي خصوصيات المدينة العتيقة لتطوان ،خاصة حين يتعلق الأمر بمعلمة لا تتعدى مثيلاتها في المغرب أصبع اليد و تُؤرخ لصناعة حربية لم يهتم بها المغرب كثيرا لأسباب أو لأخرى . وحين نُحول المعلمة التاريخية ،التي كلف تثمينها أزيد من 6 مليون درهم ، الى مطعم يُقدم الخدمة بمقابل مادي مُعين ،فإننا نُحتم أن يكون الزوار من طينة من لهم الإمكانات وليس بالضرورة مِمن يُحبون التراث والثقافة ويسعون الى الاطلاع على الموروث الحضاري كحق دستوري مشروع ومُقَنن ،مع العلم أن ذلك السائح الأجنبي القادر على صرف الأموال بسخاء قد انقرض تقريبا أو في طريق الانقراض ، فواقع عالَم السياحة يُثبت اليوم أن السياح ،خاصة من الأسواق الأوروبية التقليدية ، أضحوا يفرضون التقنين "القاسي" على مصاريفهم ،وغالبيتهم نلقاهم في مِقشدات بأحياء هامشية لا تطأها أقدام ساكنة المدينة ولا علم لها بها حتى . واستخدام حُجة الترويج للمطبخ التطواني خاصة أو المطبخ المغربي عامة لتَفْويت هذه المعلمة التاريخية المرجعية لمستثمر ما بمقابل مادي لا يَشْفع أن نُحرم الناس البسطاء من الولوج الى موروث حضاري كحق مكفول ..وكان حريا أن نمنح رُخصا مماثلة لمن له الرغبة في الاستثمار في قطاع المطعمة بجوار المعلمة في حي "الوطيا " الذي عرف دائما بنشاطه التجاري ، ونَترك "دار البومبة" لتؤدي وظيفتها الثقافية من منطلق أن الثقافة هي قيمة مضافة غنية للتنشيط السياحي نفعت إسبانيا لأن تكون رائدة عالميا في المجال وهي لا تمتلك حتى نصف ما نمتلكه نحن من إرث يتجاوز كل المقارنات . المشكل ليس في المتاحف ،التي لها مردود مالي ضعيف بل في آليات "التسويق والتعريف" بالكنوز التاريخية التي نملكها ،فقد رأيت شخصيا كيف أن الناس في دول أوروبا الشرقية ودول البلقان ودول جنوب شرق أوروبا وآسيا الوسطى ينتظرون لساعات طوال لولوج المتاحف كمُتعة شخصية ولاستكشاف التاريخ والتراث الثقافي، والتعلم واكتساب المعرفة وتجديد المعارف ، و الاستمتاع بالفنون ، بالإضافة إلى تجديد النشاط الذهني والنفسي . ولا تفتح هذه المتاحف لا مقاهي و لا مطاعم بداخلها بل توفر وسائل وتجهيزات تفاعلية وتُوفر "بيئة تعليمية" غنية يستكشف فيها خاصة الأطفال إحساسهم الفني ورؤيتهم للعالم من منظور تربوي مختلف ،وتمنحهم القدرة على التخيل والقدرة على الإبداع واكتساب المهارات النقدية والتحليلية . و المشروع الملكي لإعادة الاعتبار لمدينة تطوان العتيقة ،كما يعلم الكل ، يروم بالأساس الحفاظ على هذا النوع من الموروث الحضاري الذي لا تزخر به إلا مدن مغربية قليلة جدا ،كما يروم دعم الاقتصاد المحلي لكن بطريقة تُحترم فيها قيمة المكان ورمزيته حتى يكون هذا الفضاء النموذج في مقاربة التعامل مع الموروث العمراني والمثال الصحيح لكيفية التعامل مع تراث يختزل الذاكرة الوطنية والمحلية . و ليس بالضرورة أن يكون عائدنا من المتحف ماديا ،فالعائد الحقيقي هو العائد المعنوي والعائد التثقيفي والتربوي ومساهمة هذه المتاحف النوعية في تشكيل الوعي الجماعي وصون الهوية الثقافية و توفير الإطار الصحيح لتكتسب الناشئة روح الاعتزاز بوطنها وبتاريخها ،و لنا في دول رائدة قريبة العبرة . مع العلم أن مُدنَنا غاصة بالمقاهي والمطاعم على اختلاف أشكالها وأنواعها ومعروضها ،فيما لنا خصاص مهول في المتاحف..ومدينة تطوان ذات التاريخ العريق خير مثال وللأسف لا يفوق عدد متاحفها ستة ،الخاصة منها والعامة ، (المتحف الأثري والمتحف الإثنوغرافي ومتحف التراث الديني (لوقاش) ومتحف دار العدي ومتحف المقاومة ومركز تطوان للفن الحديث) في مدينة تعبق بتاريخ يمتد لأزيد من 2000 سنة وحضارتها عريقة جدا ،وتداولت عليها حضارات متعددة تركت بصمات استثنائية ،بدء من الرومان الى البيزنطيين الى الوندال الى العصر الأندلسي الذهبي والفترة المرينية الى الدولة العلوية الى فترة الحماية الإسبانية . ما يهمنا ليس توجيه سهام النقد ومحاسبة أو انتقاد جهة ما على حساب جهة أخرى ولا نُحاكِم النوايا والمقاصد ،بل هَمنا الأساس هو أن تحظى تطوان بما تستحقه من عناية و إلتفاتة وتقدير واهتمام ورعاية لتفردها التاريخي وشموخها ،وأن نتجاوز الهاجس المادي ونهتم بما هو أفيد للمجتمع التواق الى مقاربات ثقافية حقيقية كجزء أساسي من التنمية البشرية وليس كترف نتغنى به في المحافل والمناسبات الموسمية .
صوت وصورة
ملخص مباراة المغرب ضد ساحل العاج
هدف اتحاد طنجة ضد المغرب التطواني - كأس العرش 2018
عااجل.. بحارة اسبان ينقذون شابا عبور المضيق عبر قارب مطاطي
هدف اتحاد طنجة ضد المغرب التطواني - كأس العرش 2018
عاجل: شرطي يضرب امرأة في سوق مدينة وجدة
تقرير عن المباراة القوية بين البرازيل والمكسيك
الرابور مسلم يوافق على ترويض المغاربة في موازين.. وهذا الثمن الذي طلبه (فيديو)