الرئيسية | اقلام حرة | عندما تطغى الأدوات على المسؤوليات: رؤية وزارية تعطل مسار إصلاح وكالة التنمية الاجتماعية...

عندما تطغى الأدوات على المسؤوليات: رؤية وزارية تعطل مسار إصلاح وكالة التنمية الاجتماعية...

تتزايد الأصوات داخل الأوساط المدنية والرأي العام مطالبة بمراجعة جدية داخل وكالة التنمية الاجتماعية التي تفتقد إلى المسؤولية الإدارية والتدبيرية، إذ يبدو أن الوزارة المعنية تحاول معالجة المشكلات المتعلقة بالجانب المالي، متجاهلة العمق الإداري والأخلاقي للأزمة، حيث يقتصر تركيز الوزيرة على سيارات الخدمة وميزانية الاستثمار المجمدة قبل خمس سنوات من قبل وزارة الاقتصاد والمالية، وذلك دون الانتباه إلى أن المشكلة الرئيسية تكمن أساسًا في ثقافة الإدارة وسلوك المسؤولين الذين قد يشعرون بأنهم فوق المساءلة والمحاسبة طالما بقيت الوضعية الداخلية ضمن المتحكم فيها. لقد عاشت -وما تزال- وكالة التنمية الاجتماعية منذ عدّة سنوات على إيقاع أخبار فضائح الفساد المالي والإداري، وهو الفساد المتعدد الصفات، الذي عصف بالعديد من الميزانيات الضخمة والمشاريع الاجتماعية الكبيرة إلى درجة اضطرت معها وزارة الاقتصاد والمالية إلى تجميد ميزانيتها للاستثمار منذ خمس سنوات مع تحرير تقرير أقل ما يمكن القول عنه أنه "تقرير كارثي"، ورغم أخبار الصحافة وبلاغات الإدانة ومتابعات لجان الافتحاص وتحقيقات المفتشيات، يبدو أن الفساد المالي/ الإداري/ الأخلاقي المتشابك والمترابط قد تحول خلال العقود الأخيرة إلى "منظومة" محبوكة، امتدت فاعليتها بعد ما كونت لنفسها ثقافة وأدوات، تلك المنظومة التي لم تكتفي بالاعتداء على المال العام نهبا واختلاسا، ولكنها عمقت نفسها وثقافتها وأدواتها في مراكز القرار، حيث عملت بهدوء على احتكار السلطة ومصادرة الحريات وإفساد الانتخابات المهنية وإضعاف المؤسسة، كما عملت على تغييب الرقابة وإلغاء دور النزهاء والكفاءات في الفاعلية الإدارية. ويكاد يتفق الجميع أن هذه الوضعية التي تعيشها الوكالة لم تكن وليدة اليوم، وأن غياب نجاعة تدخلاتها راجع بالأساس إلى الخلل الذي صاحب نشأتها والمتعلق بمسألة المعايير المعتمدة في اختيار مناصب المسؤولية مع عدم احترام مدّة تعيين المسؤولين المركزيين والجهويين والإقليميين، والتي كان ينتصر فيها دائما معيار الولاء الشخصي والانتماء للنقابة المهيمنة على الوكالة، كما أنهم لا يخضعون لإعادة التوزيع كل أربع سنوات بل يتم التمديد لهم في نفس المناصب لسنوات، بل منهم من تغير التقطيع الإداري وإسم الجهة الترابية وهو باق في منصبه لم يتزحزح، وضع اضطرت معه العديد من الكفاءات للتواري وترك المجال فارغا أو مغادرة القطاع مؤقتا أو نهائيا. وعلى أرض الواقع، ساهمت "المنظومة القائمة" في الوكالة، إلى حدّ بعيد، في إحباط وتآكل مشروعيتها المؤسساتية، مما أدى إلى تعالي الأصوات بحلّها بعد وضوح معادلة الفشل/الإفشال لمشاريعها التنموية ومبادراتها في الاستثمار البشري، واستئثار فئة من الموظفين ذي لون نقابي وإيديولوجي معين بالمناصب والامتيازات، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى تعميق الهوة بينها وبين باقي موظفيها وطموحاتهم في تثبيت قيم الإنصاف والإصلاح وتطبيق القانون. في آخر اجتماع للسيّدة نعيمة بنيحي؛ وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة بمسؤولي القطاعات والمنسقيات في وكالة التنمية الاجتماعية والذي خُصّص للوقوف على حالة تقدم برنامج الوزارة المعروف بـ "الادماج الاجتماعي للنساء في وضعية صعبة"، حيث تعهدت بالعمل على استرجاع ميزانية الاستثمار وشراء (13) سيارة خدمة، إجراءات مهمة تنم عن "نية حسنة" للوزيرة الاستقلالية في انتشال الوكالة من غياهب الجمود والبطالة، لكن النية الحسنة وحدها لا تكفي لأن الأزمة الحقيقية للوكالة هي أزمة قيادات ومسؤوليات مركزية وترابية وليست أزمة مالية بالأساس، هي أزمة تدبيرية وبنيوية وتراكمية، مثال حيّ من ملحقة وكالة التنمية الاجتماعية بإقليم الحسيمة يوضح صوابية هذا المنطق، حيث تؤكد جميع التقارير الرسمية والأسئلة البرلمانية الموجهة للوزارة الوصية فشل وتعثر أكثر من (90%) من برامج ومشاريع وكالة التنمية الاجتماعية بالإقليم منذ سنة 2011، وهي وضعية لها تكلفة اجتماعية وأثر سلبي على التنمية الاجتماعية في منطقة حساسة، فبدل أن تساهم الوكالة في تقليص الفوارق الاجتماعية ومحاربة الفقر والهشاشة، لعبت أدوار سلبية جدّا في عرقلة برامج ومشاريع كانت تستهدف الفئات الهشة والساكنة الفقيرة أطفالا ونساء وشبابا بهذا الإقليم. أما ما يتعلق بسيارة الخدمة فألسنة سكان شوارع يوسف بن تاشفين ومحمد الخامس وبيتهوفن بطنجة وسكان جماعات الحسيمة وإمزورن وآيت يوسف وعلي وأجدير وبني بوعياش تلوك حكاية سيارة خدمة تابعة للوكالة كانت تستخدم لقضاء أغراض شخصية، هذا الاستخدام لم يكن مجرد تبديد للموارد المالية من وقود وصيانة وتأمين، بل جسّد ثقافة تسيّب تُحوّل وسائل الدولة إلى امتيازات شخصية، وضدّا على المراسيم والمذكرات الحكومية في موضوع ترشيد النفقات وتخليق الإدارة العمومية كانت تشاهد سيارة المؤسسة خارج أوقات العمل بعيدا عن مقر العمل بـ 18 كلم و 30 كلم، تطوف بين المدن والأسواق مصحوبة بأغراض شخصية ثقيلة (مواد البناء والصباغة والتنظيف وغيرها)، بل كانت تستعمل لنقل العمّال لشهور عديدة، هكذا كانت وضعية السيارة المقتناة بشكل رسمي لفائدة المصلحة، وهكذا كانت السيارة الثانية المكتراة لتلبية حاجيات العمل وضمان استمرارية المرفق الإداري في ظروف جيدة. ففي الوقت الذي دخل فيه المغرب مرحلة جديدة قاطعا مع مثل هذه السلوكيات والممارسات، وفي ظل انعكاسات جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية في تلك الفترة وكذا ارتفاع أسعار المحروقات يحدث أن سمحت إدارة الوكالة لبعض المسؤولين باستغلال سيارات المؤسسة لأغراض غير مهنية. أزمة المسؤولية في وكالة التنمية الاجتماعية لن تُحل بمجرد وجود ميزانية للاستثمار أو سيارات للخدمة، إذ تُظهر حالة ملحقة الحسيمة بوضوح أن السيارات ليست مجرد نفقات، بل أداة قوة يمكن استغلالها على نحو يضرّ المال العام ويقوّض ثقة المواطنين، الحلّ الحقيقي يكمن في الانتقال من التركيز على الميزانية والسيارات إلى إصلاح المسؤولية الإدارية والترابية وتعزيز الحكامة الجيّدة والالتزام بالقيمة العامة للمرفق أولا وقبل كل شيء، لأن التركيز على الميزانية والسيارات فقط يغفل المساءلة الأخلاقية والمحاسبة الإدارية ويعطي إحساسًا بأن استغلال الموارد العامة أمر مسموح به طالما هناك ميزانيات وسيارات. ويتفق العديد من الفاعلين المدنيين والسياسيين والنقابيين والمهتمين بالشأن الاجتماعي في المغرب أن مشكلة وكالة التنمية الاجتماعية تكمن في وزارتها الوصية التي تعتمد في تدبيرها لها على "مقاربات غير تنموية" ولم تتبلور لديها قناعة بعد إلى الحاجة الملحة لحوكمة المؤسسة ورفع فعاليتها من خلال اعتماد مقاربة جديدة للتدبير القائم على النتائج، ناهيكم عن ضرورة تفعيل آليات الافتحاص وترشيد أساليب التدبير وتحسين عمل الموارد البشرية من خلال تشجيع التدبير المرتكز على الاستحقاق وحسن الأداء، ومن جهة أخرى، غياب إرادة حقيقية وجدّية لدى الوزيرة الوصيّة على القطاع لوضع حدّ لأعطاب التدبير التي شابت عمل هذه المؤسسة، وفرض رقابة فعالة، ومحاسبة المسؤولين عن التجاوزات المرتكبة بما يضمن تعزيز الشفافية وتمكين الآليات المؤسساتية من رصد هذه الممارسات، لأن النجاعة في تدبير الشأن الاجتماعي تتطلب ليس فقط وضع المخططات والبرامج والمشاريع التنموية وتخصيص الميزانيات والوسائل اللوجستيكية لها، بل أيضا قرارات جدّية تضمن تفعيل آليات الرقابة والمحاسبة وجعل نتائجها أداة لإصلاح الأداء وتحديد وضبط المسؤوليات.