مركز النيابة العامة من خلال الاجتهاد القضائي المقارن
لم تتردد بعض المحاكم في إبداء رأيها وتعريفها للمركز القانوني للنيابة العامة الذي تتبوؤه
في التشريعات الوطنية كنوع من التفسير للنصوص التشريعية الذي يتوخى منها تحقيق العدالة، وعدم تضارب الأحكام، خاصة في ظل نظام قضائي موحد، يشكل فيه قضاة الحكم وقضاة النيابة العامة هيئة قضائية واحدة.
فإذا كان التشريع الدستوري قد فوض القانون في تحديد ماهية السلطة القضائية واختصاصاتها وشروط تعيين أعضائها ونقلهم، فإنه يتعين في القانون أن يصدر بشكل مطابق لروح الدستور، وأن يعكس التقيد بمبدأي فصل السلطات واستقلال السلطة القضائية. علما أن الدستور لم يبين بالتحديد ما يجب أن تكون عليه السلطة القضائية، بل فوض ذلك للقانون ليتولى التفاصيل كتشريع عادي تنفيذا لتوجهات ال
دستور الذي قرر صراحة بأن السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية.
وفي هذا السياق أكدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أنه للتثبت ما إذا كان يمكن وصف محكمة بأنها محكمة مستقلة (المادة 6 ف 1 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان) يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار
طريقة تعيين أعضائها واختصاصهم، ومدى وجود الضمانات التي تقيهم الضغوطات الخارجية، ومسألة ما إذا كانت المحكمة تتسم بالاستقلال المفترض .
ولقد اعتبرت المحكمة المذكورة، في قرارها الصادر بتاريخ 29 مارس 2010 في قضية مدفيدف ومن معه ضد فرنسا) (Medvedyev et autres بأن وكيل الجمهورية في النظام القانوني الفرنسي يتسم بالتبعية للسلطة التنفيذية ،الأمر الذي يفقده صفة " السلطة القضائية "، وهو ما يشكل خرقا لأحكام المادة 5 الفقرة 3 من الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان . وهو ذات المبدأ الذي أكدت عليه المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان في قرارها الصادر بتاريخ:23 نونبر2010 في قضية مولان(Moulin) ضد فرنسا ، الذي شددت فيه على غياب مركز السلطة القضائية بالنسبة لوكيل الجمهورية تطبيقا للمادة 5 الفقرة 3 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تلزم فرنسا باحترام مقتضياتها وبملائمة تشريعاتها معها بما يضمن استقلال و حياد النيابة العامة عن السلطة التنفيذية. مضيفة بأن تبعية النيابة العامة للسلطة التنفيذية يفقدها استقلاليتها وهو معيار جوهري في تحديد الانتماء للسلطة القضائية تأكيدا على مبدأ فصل السلطات، بحيث لا يمكن تصور تبعية النيابة العامة لوزير العدل والقول بانتمائها للسلطة القضائية، لأن التبعية للسلطة التنفيذية معناه غياب الاستقلالية في السلطة الأصلية التي تتبع لها وهي السلطة القضائية .هذه الثنائية بين التبعية والاستقلالية للسلطة التنفيذية أو السلطة القضائية توصف معها وضعية النيابة العامة بأنها هجينة ((hybrid بالنظر إلى كونها غير مريحة لأعضائها ومقلقة للمتقاضين.
إنه من المعلوم أن قرارات المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان ملزمة للدول الأعضاء احتراما لمبدأ الإلزام الذي تمليه الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي يتعين التقيد بأحكامها، ومطابقة تشريعاتها الوطنية مع مقتضياتها، لأن المحكمة المذكورة تمارس نوعا من الرقابة على أحكام المحاكم الوطنية بعد صيرورتها نهائية بعد استنفاذ وسائل الطعن الداخلية . وتتولى لجنة وزراء المجلس الأوروبي السهر على تنفيذ القرارات التي تصدرها المحكمة الأوربية، تطبيقا للمادة 46/ف 2 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وهو ذات المبدأ المقرر لمجلس الأمن الذي يضطلع بتنفيذ قرارات محكمة العدل الدولية بناء على المادة 94 ف 2 من ميثاق الأمم المتحدة.
لذلك فأحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان واجبة الاحترام، وهو ما يستدعي من الدول الأعضاء أن تلاءم تشريعاتها واجتهاد محاكمها مع ما تعلنه المحكمة المذكورة من مبادئ في قراراتها .
فالمحاكم الوطنية والتشريعات الوطنية، عليها أن تأخذ بعين الاعتبار ما تصدره المحكمة من قرارات بصفة تلقائية، وهو الموقف الذي تبنته المحكمة الفدرالية السويسرية وكذا محكمة النقض البلجيكية. فرنسا بدورها لم تخرج عن المبدأ ولو
بشكل تدريجي، بفعل تأثير اجتهاد المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان على القضاء الفرنسي، وعلى تشريعها الوطني، بعد أن اعتبرت محكمة النقض وكذا مجلس الدولة بأن قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ليست لها قوة الشيء المقضي به وليس لها تأثير مباشر على القانون الوطني . وعلى خلاف محكمة النقض ومجلس الدولة، لم يتجاهل المجلس الدستوري أهمية الاجتهاد الأوروبي في الإنتاج التشريعي الفرنسي بالتوجيه لاتخاذ تدابير الملائمة ، وإن اقتضى الأمر إجراء تعديل دستوري من أجل تغيير النظام القانوني للنيابة العامة، وهو ذات الموقف عبرت عنه اللجنة الوطنية الاستشارية لحقوق الإنسان Commission nationale consultative des droits de l’homme (C N C D H) بمناسبة مراجعة قانون المسطرة الجنائية، مؤكدة بأن ضمانات استقلال النيابة العامة يجب تقريرها، فمن جهة أن يكون التعيين بناءا على اقتراح من طرف المجلس الأعلى للقضاء، ومن جهة أخرى، إلغاء النصوص التي تتضمن التعليمات الفردية . فطبقا للفصل 1 من القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، يعتبر قضاة النيابة العامة جزء من الهيئة القضائية، والمجلس الدستوري أكد في قراره الصادر بتاريخ 21 فبراير 1992 على وحدة الهيئة القضائية unité du corps judiciaire.
وهو المبدأ الذي أورده المجلس الدستوري في قراره الصادر بتاريخ 6 ماي2011، مبرزا بأن السلطة القضائية تتألف من قضاة الحكم و قضاة النيابة العامة . لكن قضاة النيابة العامة، في نظر المجلس الدستوري الفرنسي، لا يشملهم مبدأ عدم العزل أو النقل، أسوة بقضاة الحكم، كما ورد في قراره الصادر بتاريخ:21 فبراير1992 .
وعليه فإن تأكيد المجلس الدستوري على مبدأ استقلالية قضاة النيابة العامة كمبدأ دستوري،لم يرافقه تمتيعهم بذات الحقوق المقررة دستوريا لقضاة الحكم، مما يعني صراحة بأن جهاز النيابة العامة لا
يتمتع بمقومات الاستقلالية لتبعيته الصريحة لسلطة وزير العدل . وهو الوضع الذي ينطبق على النيابة العامة بالمغرب، لأنه لا يكفي القول بأن قضاة النيابة العامة جزء من الهيئة القضائية أو السلطة القضائية، ليكونوا في مركز يتميز بعدم التبعية، بل أن العكس هو السائد في النظامين القانونين المغربي والفرنسي، لذلك فإن تأويل المجلس الدستوري الفرنسي لم يتبنى مقاربة حقوقية، بل اعتمد منطق الدستورانية، وهو ما لا يتماشى مع قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الصادرة سنة 2010
في قضيتي مدفيدف Medvedyev ومولان Moulin ، التي اعتبرت صراحة بأن وكيل الجمهورية ليس بسلطة قضائية بالنظر إلى عدم استقلاليته عن السلطة التنفيذية.
لكن وعلى عكس تأويل المجلس الدستوري، تراجعت محكمة النقض عن اجتهادها السابق معلنة
في قرارها الصادر عن الغرفة الجنائية بتاريخ: 15 دجنبر 2010، استنادا إلى المادة 5 ف 3
من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان بأن النيابة العامة ولئن كانت جزء من السلطة القضائية طبقا للمادة 5 ف 3 من الاتفاقية المذكورة، لكنها لا تتوفر على ضمانات الاستقلالية والتجرد، مما يجعلها طرفا تابعا للسلطة التنفيذية.
إن السلطة القضائية وفقا للتشريع الدستوري، هي إحدى سلطات الدول الثلاث التي تقوم على ولاية القضاء وتستقل بشؤون العدالة في مقابل السلطتين التشريعية والتنفيذية، وهذا يستلزم بأن تكون النيابة العامة مستقلة عن السلطة التنفيذية وبأن لا تكون تابعة لوزير العدل. وهو الاتجاه الذي تبناه المشرع المصري بتعديله لقانون السلطة القضائية بالقانون رقم 142 لسنة 2004، الذي قرر إلغاء تبعية النيابة العامة لوزير العدل، وهو المبدأ الذي يعكس استقلالية القضاء عضويا وشخصيا، على خلاف ما هو عليه الوضع في النظامين القانونيين الفرنسي و المغربي الذي لا يطابق المبادئ الدولية الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية والقضاة التي تم الإعلان عنها في العديد من مؤتمرات الأمم المتحدة، ومن أهمها تلك الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948(المادة 10)
وفي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 (المادة 14)، وفي مؤتمرات الأمم المتحدة لمنع الجريمة )الإعلان العالمي لاستقلال العدل في مونترالو سنة 1983)،وفي المبادئ الأساسية لاستقلال السلطة القضائية (ميلانو بإيطاليا سنة 1985)،وفي مشروع الإعلان العالمي لاستقلال القضاء،وفي مبادئ بانجالور للسلوك القضائي (2002).
صوت وصورة
ملخص مباراة المغرب ضد ساحل العاج
هدف اتحاد طنجة ضد المغرب التطواني - كأس العرش 2018
عااجل.. بحارة اسبان ينقذون شابا عبور المضيق عبر قارب مطاطي
هدف اتحاد طنجة ضد المغرب التطواني - كأس العرش 2018
عاجل: شرطي يضرب امرأة في سوق مدينة وجدة
تقرير عن المباراة القوية بين البرازيل والمكسيك
الرابور مسلم يوافق على ترويض المغاربة في موازين.. وهذا الثمن الذي طلبه (فيديو)