الرئيسية | اقلام حرة | البنك الدولي..و سياسة التحكم الاقتصادي العالمي 2/2

البنك الدولي..و سياسة التحكم الاقتصادي العالمي 2/2

و لتأكيد تورط الولايات المتحدة الأمريكية في سياسة التحكم الاقتصادي العالمي، بينما كنت أفكر في كتابة هذا المقال وصلتني رسالة مفاجئة كأن صاحبها يقرأ أفكاري، معلومة إضافية أجهلها تتحدث عن اتفاقية برايتون وودز  1944م  Woods) (Bretton. تلك الاتفاقية التي جعلت الدولار هو المعيار النقدي الدولي لكل عملات العالم حيث تعهدت أمريكا بموجب تلك الاتفاقية وأمام دول العالم بأنها تمتلك غطاء من الذهب يوازي ما تطرحه من دولارات. و تنص الاتفاقية على أن من يسلم أمريكا 35 دولارا تسلمه أوقية من الذهب. أي انك إذا ذهبت إلى البنك المركزي الأمريكي بإمكانك استبدال 35 دولارا بأوقية من الذهب وأن الولايات المتحدة الأمريكية تضمن لك ذلك. وحينها صار الدولار يسمى عملة صعبة واكتسب ثقة دولية وذلك لاطمئنان الدول لوجود تغطية له من الذهب وجمعت الدول في خزائنها أكبر قدر من الدولارات على أمل تحويل قيمتها إلى الذهب في أي وقت. واستمر الوضع على هذا الحال زمناً حتى خرج الرئيس نيكسون في السبعينات على العالم فجأة في مشهد لا يُتصور حتى في أفلام الخيال العلمي ليصدم كل سكان الكرة الأرضية جميعاً بأن الولايات المتحدة لن تسلم حاملي الدولار ما يقابله من ذهب . وليكتشف العالم أن الولايات المتحدة كانت تطبع الدولارات بعيدا عن وجود غطاء من الذهب وأنها اشترت ثروات الشعوب وامتلكت ثروات العالم  بحفنة أوراق خضراء لا غطاء ذهبي لها. أي أن الدولارات ببساطة عبارة عن أوراق تطبعها الماكينات الأمريكية ثم تحدد قيمة الورقة بالرقم الذي ستكتبه عليها فهي 10 أو 100 أو 500 دولار بينما الثلاث ورقات هم نفس القيمة والخامة ونفس الوهم فقط اختلف الرقم المطبوع. أعلن نيكسون حينها أن الدولار سيعوم أي ينزل في السوق تحت المضاربة وسعر صرفه سيحدده العرض والطلب بدعوى أن الدولار قوي بسمعة أمريكا واقتصادها. وكأن هذه القوة الاقتصادية ليست قوة مستمدة من تلك الخدعة الكبرى التي استغفل بها العالم فلم تتمكن أي دولة من الاعتراض أو إعلان رفض هذا النظام النقدي الجديد لأن هذا الاعتراض سيعني حينها أن كل ما خزنته هذه الدول من مليارات دولارات في بنوكها سيصبح ورقا بلا قيمة وهي نتيجة أكثر كارثية مما أعلنه نيكسون. سميت هذه الحادثة الكبيرة عالمياً صدمة نيكسون (Nixon shock) ويكفيك أن تكتب (Nixon shock) في محركات البحث لتكتشف أنها حادثة كتب عنها آلاف الصفحات التحليلات والدراسات ولكنها مغيبة عن الشعوب. نيكسون قال حينها كلمته الشهيرة : (يجب أن نلعب اللعبة كما صنعناها ويجب أن يلعبوها كما وضعناها)،لا زال هذا النظام قائما حتى اليوم. أمريكا تطبع ما تشاء من الورق وتشتري به بضائع جميع الشعوب. و لتنفيذ مخططاتها للسيطرة على العالم،قامت الولايات المتحدة بصناعة قراصنة اقتصاديين تكونهم و توفر لهم كل الظروف و الإمكانات الكافية لتحقيق الهدف،تجلى ذلك في اعترافات قرصان اقتصادي "جون بيركنز" في وقت يتناسب مع الرغبة في تفسير أسباب وآثار الأزمة المالية العالمية،بتأليفه لكتاب "الاغتيال الاقتصادي للأمم" ، وهو خبير اقتصادي دولي جاءت اعترافاته في كتابه (Confessions of an Economic Hit Man)، لتلقي الضوء على ممارسات نخبة رجال الأعمال والسياسة في الولايات المتحدة لبناء إمبراطورية عالمية تسيطر عليها “الكوربورقراطية Corporatocracy” أي سيطرة منظومة الشركات الكبرى على اقتصاد العالم. يقول المؤلف إنه مع الخبراء الاقتصاديين قاموا بتطويع اللغة لتغليف إستراتيجيتهم في النهب الاقتصادي، وذلك باستخدام مفاهيم مثل (الحكم الرشيد وتحرير التجارة وحقوق المستهلك )،بحيث لا تصبح السياسات الاقتصادية جيدة إلا من خلال مخططات الشركات الكبرى. وعلى الدول التي تقبل هذه المفاهيم خصخصة الصحة والتعليم وخدمات المياه والكهرباء أي أن تبيعها للشركات الكبرى وهي مضطرة بعد ذلك إلى إلغاء الدعم وجميع القيود التجارية التي تحمي الأعمال الوطنية، بينما عليها القبول باستمرار أميركا وشركائها من الدول الصناعية الكبرى في تقديم الدعم لقطاعات أعمالها وفرض القيود لحماية صناعاتها. ولا تريد النخبة الأميركية بالفعل قيام الدول بسداد ديونها، لأن ذلك هو السبيل إلى تحقيق أهدافها بعد ذلك من خلال مفاوضات سياسية واقتصادية وعسكرية، ويفترض بيركنز “أن حرية طبع النقد الأميركي دون أي غطاء هي التي تعطي لإستراتيجية النهب الاقتصادي قوتها، لأنها تعني الاستمرار في تقديم قروض بالدولار لن يتم سدادها. يحدد المؤلف دوره في استخدام المنظمات المالية الدولية لخلق ظروف تؤدي إلى خضوع الدول النامية لهيمنة النخبة الأميركية التي تدير الحكومة والشركات والبنوك. فالخبير يقوم بإعداد الدراسات التي بناء عليها توافق المنظمات المالية على تقديم قروض للدول النامية المستهدفة بغرض تطوير البنية الأساسية وبناء محطات توليد الكهرباء والطرق والموانئ والمطارات والمدن الصناعية، بشرط قيام المكاتب الهندسية وشركات المقاولات الأميركية بتنفيذ هذه المشروعات. وفي حقيقة الأمر فإن الأموال بهذه الطريقة لا تغادر الولايات المتحدة حيث تتحول ببساطة من حسابات بنوك واشنطن إلى حسابات شركات في نيويورك أو هيوستن أو سان فرانسيسكو، ورغم أن هذه الأموال تعود بشكل فوري إلى أعضاء في “الكوربورقراطية” فإنه يبقى على الدولة المتلقية سداد أصل القرض والفوائد. من خلال كل ما سبق ذكره و الحقيقة المرة للنهج اللوبي الاقتصادي العالمي في تدمير الدول و إحراقها بفتيل الحروب أو قتلها خنقا بسياسة التفقير و التضخم الاقتصادي، لم يعد للمدافعين عن هذه المؤسسة الدولية سوى الاعتذار و العدول عن نشر أفكار تدعم سياساتها التي افتضحت من داخل المطبخ العالمي بعد اعترافات "جون بيركنز" و أمثاله ،لكن في الحقيقة لمن نحمل المسؤولية الحقيقة لتردي الأوضاع في الدول العربية خصوصا و دول العالم الثالث عموما..للسياسات الممنهجة للحكومات المتعاقبة أم للشعوب الناخبة التي تنتجها،أم للأنظمة المستبدة.. أم للاستعمار الذي صنعها و تركها تنجز برامجها عبر نسج خيوط مشبوكة على مقاس الدول الحاكمة في العالم،للأسف صنعوا لنا أزمة اقتصادية على مقاسهم بينما الولايات المتحدة الأمريكية و حلفائها الاقتصاديين ينعمون في رخاء كبير متفقين بالتوازي على تحريك خيوط الدمى الاقتصادية لدى الدول الخانعة للنظام الاقتصادي العالمي المصنوع كما أسلفنا من القوى العظمى في العالم.