المصباح يخفت في المهرجانات الخطابية.. هل فقد العدالة والتنمية قدرته على تعبئة الجماهير؟
لم تعد المهرجانات الخطابية التي يؤطرها الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله ابن كيران، تحظى بالحضور الجماهيري نفسه الذي اعتاد عليه الحزب خلال مراحل سابقة، وهو ما يفتح الباب أمام نقاش سياسي واسع حول مدى تراجع قدرة الحزب على التعبئة واستقطاب المواطنين، خصوصاً في اللقاءات التي يفترض أن تشكل مناسبة لإظهار قوته التنظيمية والشعبية. وخلال السنوات الماضية، ظل ابن كيران يشكل أحد أبرز الوجوه القادرة على جذب الأنظار وتحريك القواعد الحزبية، مستفيداً من أسلوبه الخطابي المباشر وحضوره السياسي القوي. وكانت لقاءاته الجماهيرية في مناسبات عديدة تتحول إلى محطات تستقطب أعداداً كبيرة من المتعاطفين والأنصار، وتمنح الحزب صورة تنظيمية توحي بامتلاكه قاعدة شعبية واسعة. غير أن المشهد يبدو اليوم مختلفاً، إذ أصبحت بعض اللقاءات التواصلية للحزب تسجل حضوراً جماهيرياً أقل من المتوقع، مقارنة بما كان عليه الأمر في فترات سابقة. وهو ما يطرح سؤالاً مركزياً: هل يتعلق الأمر بتراجع ظرفي في الحضور، أم أن حزب العدالة والتنمية بدأ فعلاً يفقد جزءاً من قدرته على تعبئة الشارع؟ من وهج الماضي إلى أسئلة الحاضر لا يمكن فصل هذا النقاش عن التحولات التي عرفها المشهد السياسي المغربي خلال السنوات الأخيرة، والتي أعادت ترتيب موازين القوى بين الأحزاب، وغيرت طبيعة علاقة الناخبين بالخطاب السياسي والتنظيمات الحزبية. فالحزب الذي تصدر المشهد الحكومي لولايتين متتاليتين، وحقق نتائج انتخابية مهمة، دخل مرحلة سياسية أكثر صعوبة بعد تراجع نتائجه بشكل كبير في الانتخابات التشريعية لسنة 2021، ليجد نفسه أمام تحدي إعادة بناء حضوره واستعادة الثقة لدى فئات واسعة من الناخبين. وفي هذا السياق، تبدو مسألة الحضور الجماهيري في اللقاءات السياسية أكثر من مجرد أرقام مرتبطة بعدد المقاعد أو مساحة القاعة؛ فهي بالنسبة للأحزاب السياسية مؤشر رمزي على مستوى الحماس داخل القواعد، وقدرتها على التواصل المباشر مع المواطنين وإقناعهم بالعودة إلى العمل السياسي. ابن كيران.. هل ما زال قادراً على صناعة الحشد؟ يبقى عبد الإله ابن كيران، رغم تقدمه في السن وتغير الظروف السياسية، أحد أكثر الشخصيات تأثيراً داخل العدالة والتنمية، كما أن اسمه ارتبط تاريخياً بالقدرة على التواصل المباشر مع الجمهور. لكن السؤال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بشخص الأمين العام، بل بمدى قدرة التنظيم الحزبي ككل على تجديد أدواته وأساليبه في التواصل والتعبئة. فالجمهور الذي كان يتفاعل بقوة مع الخطابات السياسية قبل سنوات لم يعد بالضرورة يتفاعل بالطريقة نفسها اليوم، في ظل تغير أولويات المواطنين، وتزايد الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي، وتراجع منسوب الثقة في الخطاب الحزبي لدى شرائح من المجتمع. هل أصبح البيجيدي أمام أزمة تعبئة؟ قد يكون من السابق لأوانه الحديث عن عجز كامل للحزب عن تعبئة الجماهير اعتماداً على بعض المهرجانات أو اللقاءات فقط، لأن قياس الشعبية الانتخابية لا يتم من خلال حجم الحضور في قاعة أو فضاء عمومي فحسب. لكن تراجع الحضور، إن ثبت تكراره في عدد من المحطات، يستحق القراءة السياسية والتنظيمية، خصوصاً بالنسبة لحزب اعتاد أن يجعل من التعبئة الجماهيرية إحدى أبرز نقاط قوته. كما أن المرحلة المقبلة ستضع الحزب أمام اختبار حقيقي، يتمثل في قدرته على الانتقال من مرحلة الدفاع عن الإرث السياسي والتنظيمي إلى مرحلة تقديم خطاب جديد قادر على مخاطبة جيل من الناخبين لم يعش بالضرورة تجربة الحزب بالطريقة نفسها التي عاشها الجيل السابق. "عتمة المصباح".. عنوان مرحلة جديدة؟ ويبقى حزب العدالة والتنمية أمام تحدي استعادة بريقه السياسي وإقناع المواطنين بأن "المصباح" قادر على الإضاءة من جديد، بعدما عرف الحزب واحدة من أصعب مراحله الانتخابية والسياسية. وبينما يرى أنصار الحزب أن تراجع الحضور في بعض اللقاءات لا يعني بالضرورة تراجع شعبيته، يعتبر منتقدوه أن فتور التعبئة الجماهيرية قد يكون مؤشراً على تراجع الجاذبية السياسية التي كان يتمتع بها الحزب في السابق. وبين هذا وذاك، تظل الانتخابات المقبلة هي الاختبار الحقيقي، حيث لن يكون المعيار عدد الحاضرين في المهرجانات الخطابية فقط، وإنما صناديق الاقتراع ومدى قدرة العدالة والتنمية على تحويل خطابه وقواعده التنظيمية إلى أصوات انتخابية. وفي انتظار ذلك، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يعيش "المصباح" مجرد مرحلة خفوت عابرة، أم أن وهجه الجماهيري دخل فعلاً مرحلة العتمة؟